تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من تقرب إلى [ اللّه ] شبرا تقرب منه شبرين » على ما ذكرنا من قرب الطاعة له ، وقرب الرب إليه : بالنصر والمعونة ، لا قرب المكان ، ولا قوة إلا بالله . وقوله - عزّ وجل - :
حَبْلِ الْوَرِيدِ
قال بعضهم « 1 » : عرق العنق ، والوريد : العنق . وقال بعضهم : هو عرق بين القلب والحلقوم . وقال بعضهم : هو عرق القلب معلق به ، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
أي : اذكر تلقي المتلقيين ، أو احفظ تلقي المتلقيين ، أو احذر تلقي المتلقيين ، وهما الملكان المسلطان على أعمالك وأقوالك ؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك ، ويحفظان عليك ، ويكتبان ؛ يذكر هذا ويخبرهم أن عليهم حافظا ورقيبا ، وإن كان هو - تعالى - حافظا لجميع أفعالهم وأقوالهم ، عالما بها فحفظ الملائكة وكتابتهم ، وعدم ذلك بمنزلة [ واحدة ] في حق اللّه - تعالى - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه من الحكمة : أحدها : ليكونوا على حذر أبدا مما يقولون ويفعلون ؛ على ما يكون في الشاهد من علم أن عليه حافظا ورقيبا في أمر يكون أبدا على حذر وخوف من ذلك الأمر ، وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك ، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه حفيظا ويكتب ذلك عليه ، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي اللّه - تعالى - فيستحي من ذلك أشد الاستحياء - يكون ذلك أزجر له ، وأبلغ في المنع ، وإلا كان إحصاء ذلك على اللّه - تعالى - مع الكتاب وغير الكتاب سواء ؛ إذ هو عالم بذاته ، لا بالأسباب ، وهو تأويل
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[ طه : 52 ] ، واللّه أعلم . والثاني : من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقوالهم ، وكتابة ذلك ، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به ، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم بالتسبيح والتعظيم ، ومن شاء منهم بالركوع ، ومن شاء بالسجود ، ومن شاء بحمل العرش والكرسي ، ومن شاء بحفظ بني آدم ، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال المطر ، مما في ذلك منافع بني آدم ، ويكون ذلك كله بحق العبادة ؛ ليعلم أن من امتحن منهم بالركوع ، والسجود ،
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 31856 ) وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 118 ) .