تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
على ما أخبر أنه فتح ؛ ليغفر له ما ذكر ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ
يخرج على وجوه : أحدها : ما قال أبو حنيفة - رحمه اللّه - : ليزدادوا إيمانا بالتفسير على إيمانهم بالجملة . والثاني : ليزدادوا إيمانا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها ، وهذا في أهل الكتاب خاصة . والثالث : ليزدادوا إيمانا في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات ، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة ، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء ؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل ؛ حيث قال لأصحابه : يزعم محمد أن اللّه قد غفر له ، وأن له على عدوه ظفرا ، ويهديه صراطا مستقيما ، وينصره نصرا عزيزا ، هيهات هيهات ، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر ، فأين أهل فارس والروم ؟ ! هم أكثر عددا ، فعند ذلك نزل :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فمعناه : أي : لله تدبير جنود السماوات والأرض ، ينصر من يشاء على من يشاء ، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء ، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا ، ولكن ذلك إلى اللّه - تعالى - وهو كقوله :
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
[ الرعد : 42 ] أي : لله تدبير مكرهم ، لا ينفذ مكرهم إلا بالله - تعالى - فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
أي : عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة اللّه على ولايته ، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل ، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن ؛ لحاجة نفسه ، أو لمنافع ترجع إليه ، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم ؛ ولذلك قال :
حَكِيماً
؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير ، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به ، ونهاهم عنه ، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة ، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيما في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته ، واختيار الخلاف له والمعصية ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . . .
الآية . كأن هذا صلة قوله - تعالى - :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ