وأحوج - أيضا - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه ، وجعله رسولا إليهم ؛ فيكون كأنه قال : إنا فتحنا لك النبوة ، والحكمة ، وأنواع العلوم ، والخيرات ، والحسنات ؛
لِيَغْفِرَ لَكَ
؛ أي : إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة ، والحكمة ، وإظهار دينه على الأديان كلها ، ويهديه صراطا مستقيما ، وينصره نصرا عزيزا ، أعطاه ما ذكرنا ، وذلك كله النصر العزيز ، واللّه أعلم .
وجائز أن يكون قوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
أي : من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم ؛ على ما قال بعض أهل التأويل ، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات ، والأمن لهم ، والإياس لأولئك الكفرة عنهم ، ويهديهم صراطا مستقيما ، وينصرهم نصرا عزيزا ، أي : فتحنا لك ما ذكر ؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم ، وإتمام النعمة والهداية لهم : الصراط المستقيم ، والنصر لهم : النصر العزيز ، أي : نصرا يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة ، واللّه أعلم .
ومن الناس من يقول : إن اللّه - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : 9 ] ، وجد النبي صلى اللّه عليه وسلم لذلك وجدا شديدا ، ونزل بعده
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ . . .
إلى آخره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك : « نزلت على آية أحب إلى مما على الأرض » ، ثم قرأها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : هنيئا مريئا يا نبي اللّه ، قد بين لك ما ذا يفعل بك ، ولم يبين ما ذا يفعل بنا ؛ فنزل قوله - تعالى - :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ . . .
الآية ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ .
قال بعضهم : السكينة : هي كهيئة الريح لها جناحان ، ولها رأس كرأس الهرّ ؛ لكن هذا ليس بشيء ، فإنه - عزّ وجل - قال :
أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ
بحقيقة الدين ، وهو تفسير العلم ، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو اللّه - تعالى - وهم يقولون : إن خالقه هو المستدل ؛ فيكون حجة عليهم .
قال بعض المعتزلة : إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز ، ليس على التحقيق ، كما يقال : فلان أنزل فلانا في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل ، لكن أضيف إليه ذلك ؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه ، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين ؛ ليزدادوا إيمانا ؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك ؛ وهو كقوله - تعالى - :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
[ الفتح : 1 - 2 ] وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك ؛ ليكون ما ذكر