تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
ثم قوله - عزّ وجل - :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
يخرج على وجهين : أحدهما : يرجع إلى ذنبه ؛ أخبر أنه غفر له . ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه ؟ وأيش كانت زلته ؟ لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه ، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر ، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا ؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا ، لكنهم نهوا عن ذلك ، واللّه أعلم . وجائز أن يكون قوله - عزّ وجل - :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
أي : يغفر ذنبه ابتداء غفران ؛ أي : عصمه عن ذلك ، وذلك جائز في اللغة ، واللّه أعلم . والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته ؛ أي : ليغفر لك اللّه ذنوب أمتك ، وهو ما يشفع لأمته ، فيغفر له ؛ أي : لشفاعته ، وهو كما روى في الخبر : « يغفر للمؤذن مدّ صوته » أي : يجعل له الشفاعة ، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
أي : يغفر لأمته بشفاعته ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة ، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة ، والشفاعة له في الآخرة ، أو إظهار دينه على الأديان كلها ، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم ؛ كقوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .
الآية [ المائدة : 3 ] ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
، يحتمل : أي : ينصرك نصرا عزيزا بالغلبة عليهم ، والقهر ، والظفر ، لا صلحا ، ولا موادعة ، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل : نصرا عزيزا لا يستذل ولا يسترذل ، وظاهر الآية ليس على ذلك ؛ لأنه قال على إثره :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سببا للمغفرة ؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا ، لا ما ذكره [ أهل التأويل ] إلا أن يقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح ، وهو القتال مع الكفرة ، ونحو ذلك ، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة ، إلا أن اللّه أضاف الفتح إلى نفسه ، والقتال منهم ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن اللّه جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّا ، ولا يكتب كتابا ، ولا يفهم كتابه ، وهو ما وصفه اللّه - جل وعلا - بقوله :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
[ العنكبوت : 48 ] لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر ، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه ،