الوجهين ، فلا نفسره أنه إلى ما ذا يرجع .
ثم قال بعضهم « 1 » : الذين كرهوا ما نزل اللّه هم المنافقون ، قالوا لليهود : سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه .
وقال بعضهم : هم اليهود ، ظاهروا سائر الكفرة على محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، رضي اللّه عنهم .
ثم كراهة نزول ما أنزل اللّه على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة ؛ لقوله - تعالى - :
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ البقرة : 105 ] ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ
هذا يدل على أنه لا يفسر قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا
ولا يشار على أنه أراد كذا ، ورجع إلى كذا ؛ لما أخبر اللّه - تعالى - أنه هو العالم بما أسروا ، ولم يبين ذلك ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ
لا أحد يقصد قصد اتباع سخط اللّه ، ولا كراهة رضوانه ، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان اللّه يسخط ذلك الفعل ، فكأنهم اتبعوا سخطه ، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان اللّه يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه ، وهو كقوله - تعالى - :
لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
[ يس : 60 ] ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه ، وهو تسمية الشيء باسم سببه ، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 29 إلى 32 ]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 )
وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
أي :
حسب المنافقون أن لن يظهر اللّه عداوتهم ، وأن لن يبدي اللّه ما في قلوبهم من العداوة ؛
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 31415 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 53 ) .