تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب ؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق ؛ على ما ذكرنا ، فتبين أنه إنما صار خلقهما [ بالحق ] إذا كان هنالك جزاء ؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث ، ليست فيما ذكر أهل التأويل ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : على التحقيق ؛ على ما قاله عامة أهل التأويل : أنهم عبدوا كل شيء [ استحسنوه ، فإذا ] استحسنوا شيئا آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني ، فتلك كانت عادتهم ، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم ؛ إذ الإله هو المعبود عندهم ، وهو التحقيق الذي ذكرنا . والثاني : على التمثيل ، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئا إلا ركبوه ، لا تمنعهم مخافة اللّه عما هووه ، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا ، فصيروا هواهم متبعا ، فهو كالإله لهم ، لا يتبعون أمر اللّه ، فلا يكترثون له ، أو كلام نحوه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
هذا يخرج على وجوه : أحدها : أي : أضله اللّه على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق ، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله ؛ أي : قد بين له السبيل وطريق الحق ، لكنه باختياره الضلال أضله ؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر ؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار ، واللّه أعلم . والثالث : أضله اللّه - تعالى - على علم ؛ أي : أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
؛ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أي : غطى قلبه بما هواه ، وجعل فيه ظلمة ، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر ، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين ، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعا لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر . ويحتمل أن يكون ما هووه مانعا لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر اللّه - تعالى - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة ؛ كقوله - عزّ وجل - :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
[ الأنفال : 24 ] ، وكقوله - تعالى - :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] ، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 227 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم