وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ .
وقال بعض أهل التأويل : نفر من الكفرة قالوا : واللّه إن كان ما يقوله محمد من الثواب والنعيم في الجنة حقّا فنحن أولى بذلك منهم ، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم ، ولنعطين أفضل مما يعطون ، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا ؛ فأنزل اللّه - سبحانه وتعالى - في ذلك :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . .
الآية .
لكن هذا التأويل ضعيف ؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جوابا للنازلة التي ذكرها أهل التأويل ؛ لأن أولئك قالوا : نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى ، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة ؛ فلا يكون قوله - تعالى - :
أَنْ نَجْعَلَهُمْ .
. . ساءَ
جوابا لما قالوا ، وهم إنما قالوا : نحن أولى بذلك ، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا ؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي ، ولا خلف في خبر اللّه - عزّ وجل - واللّه أعلم .
لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه ، يقول - واللّه أعلم - :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً . . .
الآية أي :
لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل
الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
- أي : الشرك -
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
؛ لأنهم جميعا قد استووا في هذه الدنيا ، في لذاتها ، ونعيمها ، وشدتها ، وآلامها ، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز ، وإنزال كل واحد منهما منزلته ، وما يستحقه المسئ العقوبة ، وجزاء الإساءة ، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه ، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب - واللّه أعلم - وهو كقوله - تعالى - :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ ص : 27 ] لو كان كما ظن أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم ، فكذلك قوله تعالى :