أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] صير خلق السماوات والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثا باطلا ، فهذا أولى وأحق أن يصرف إليه الآية ، وعلى ذلك ما ذكر في قوله - تعالى - :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ . . .
الآية [ الأنعام : 50 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
[ هود : 24 ] أي : لا يستويان ، ولو كان الأمر على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا نشور ولا حياة ، كان في ذلك استواء بين من ذكر ، وقد سوى بينهما في الدنيا ، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز ؛ إذ لا يجوز التسوية بين الولي والعدوّ ، وقد سوى بينهما في الدنيا ؛ فعلم أن المراد به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى ، واللّه الموفق .
ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة والسلامة ؛ على قول أكثر المعتزلة أن اللّه - تعالى - لا يعطي أحدا في الدنيا من كافر أو مؤمن شيئا إلا وهو أصلح له في الدين ، ثم على قولهم لا يظهر عفو اللّه تعالى في الآخرة ؛ لأنهم يقولون : إنما يستوجبون الثواب والجنة بأعمالهم ، لا برحمة اللّه - تعالى - فإذا عفا عن المسئ فلا يعلم أنه كان مستحقّا لذلك أو يعفو عنه فضلا .
وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة ، فيعرفون فضله وإحسانه وعفوه ، وأكثر أصحابنا يقولون : إن جميع ما أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له ؛ كقوله - تعالى - :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
[ المؤمنون : 55 - 56 ] ، ونحو ذلك ما يخبر أن ما يعطي إياهم يكون شرّا لهم ، وما أعطى [ المؤمنين ] يكون خيرا لهم .
ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال ، ولكن ما كان توفيقا منه على الخيرات في نفسها فهو خير له ، وما كان خذلانا فهو شرّ له ، وليس على اللّه حفظ الأصلح لهم ؛ على ما يقوله المعتزلة ، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة [ و ] عدل كما يفعل ما هو إحسان وفضل ، واللّه الموفق .
قال القتبي :
اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
أي : اكتسبوها ، ومنه قيل لكلاب الصيد : جوارح .
وقوله - عزّ وجل - :
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
كأنه يقول - واللّه أعلم - :
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
أي : إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت ، فلو لم