تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وقوله :
بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ .
هذا وعيد وتنبيه منه لهم ؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره ؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة ، واللّه أعلم . وقوله :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
له بالتعالي والتنزيه عن الولد ، أي : وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد ، على هذا أعبد اللّه تعالى . والثاني : ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين ، وهو من عبد يعبد ، أي : أنف يأنف ، فيكون هذا تنزيه تصريح عن الولد ، والأول تنزيه له بالكناية ، هذا إذا كان معنى قوله :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
ما كان للرحمن ولد . ثم قوله - عزّ وجل - :
فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
يخرج على التأويل - أيضا - على وجهين : أحدهما : أي : لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد ، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له ، وهو كقوله - تعالى - :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ القصص : 62 - 74 ] أي : أين شركائي [ الذين ] تزعمون أنتم أنهم شركاء ؟ وقوله تعالى :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
[ طه : 97 ] أي : انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله . والثاني : يحتمل أن يقول له : قل : لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد ، فأنا أول من أعبده على ذلك ، أو أول من أقول أنا بذلك ، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول اللّه ، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد ، وهو كقوله - تعالى - :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ
[ الزمر : 4 ] أي : لو كان يجوز أن يريد اللّه أن يتخذ ولدا لاصطفى ممن عنده وممن شاء ، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم ، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولدا . وقال بعضهم في قوله - تعالى - :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
يقول : كما أني لست أول من عبد اللّه ، فكذلك ليس للرحمن ولد ؛ كقول الرجل : لو كان ما تقول حقّا فأنا حمار ، معناه : ليس الذي تقوله بحق ، كما أني لست بحمار ، واللّه أعلم . [ ثم ] نزه نفسه عن الولد ، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال :
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
أي : رب السماوات ، ورب الأرض ، ورب من فيهن ، ورب العرش . قال أهل التأويل : أي : رب السرير . لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير ، فينسب إلى السرير ، فيقال :