للإيصال ؛ على ما هو الأصل في مثل هذا ، وله نظائر كثيرة .
وأصل تأويل
تَبارَكَ
: ما قاله أهل التأويل : تعالى وتعاظم عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد ، والشريك ، وغير ذلك ، لكن هو على التأويل ، لا على تحقيق الاسم ، فنظيره ما فسروا في قوله [ صلّى اللّه عليه وسلم ] : « وتعالى جدّك » أي : عظمتك ، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة ، ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء ، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية : بختا ، فسروا الجد بالعظمة ؛ لنفاذ مشيئة العظيم ، وخروج الأمور على ما يريده ويشاؤه ، فعلى ذلك تفسيرهم
تَبارَكَ
بما قالوا : تعالى وتعاظم على التأويل ، لا على تحقيق الاسم ؛ إذ هو من البركة ، لكن كل من بورك فيه صار متعاليا ، فأطلقوا عليه
تَبارَكَ
بمعنى : تعالى ، لا بمعنى حقيقة الاسم ، واللّه أعلم .
ثم قوله :
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
بيان منه وتعليم للخلق ما يجوز النسبة [ له ] فقال :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقال :
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النحل : 52 ] ، ونحو ذلك ، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا ، ولا ينسبوا إليه من الولد ، والشريك ، والصاحبة ونحو ذلك ؛ لأن نسبة الأشياء بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال ، نحو ما ذكرنا من قوله - تعالى - :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقوله :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] ، [ وقوله : ]
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 120 ] ، وقوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 102 ] ، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء ، ثم ينظر بعد هذا : فإن كانت تلك الأشياء الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت ، نحو قوله : بيت اللّه ، ومساجد اللّه ، ورسول اللّه ، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها اللّه - تعالى - ورفع قدرها ومنزلتها عنده ، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا يجوز النسبة إليه والإضافة ؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج التعظيم لها ، وهي ليست بمعظمة ، ولكنها مسترذلة مستقذرة ؛ فيكون وضع الشيء غير موضعه ، وأنه خلاف الحكمة ، واللّه الموفق .
وقوله - عزّ وجل - :
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
يخرج على وجوه :
أحدها : أي : عنده علم ساعة : الصعقة ؛ كقوله - تعالى - :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . .
الآية [ الزمر : 68 ] .
ويحتمل
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
: الزلزلة ؛ كقوله :
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
[ الحج : 1 ] .
ويحتمل :
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
: الفزع والهول ؛ كقوله :
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ . . .