ويحتمل أن يكون ما ذكر من كراهة أكثرهم للحق بحق الطباع ؛ كان في طباع أكثرهم كراهة ذلك الحق ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 79 إلى 89 ]
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ( 79 ) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 )
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 )
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ .
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمرا ما ذكر في آية أخرى ، وهو قوله تعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنفال : 30 ] إبرامهم أمرا : هو مكرهم الذي مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما ذكر ، واللّه أعلم .
ويحتمل : أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك ، وكيفما كان ، ففيه وجهان من الدلالة :
أحدهما : ليعلموا أن اللّه - تعالى - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرّا ؛ لأنه في ظنهم أن اللّه لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرّا ؛ ولذلك قال تعالى :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ .
والثاني : فيه دلالة إثبات الرسالة ؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم سرّا ، ثم أخبرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما أبرموا وأحكموا من الأمر ؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك بالله تعالى .
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ .
يحتمل : فإنا جازون جزاء إبرامهم .
ويحتمل :
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
أي : إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعا ؛ وعلى ذلك قوله :
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
[ هود : 42 ] على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما .
وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ .
أي : بل يحسبون على ما ذكرنا : أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب ؛ كأنه قال : بل يحسبون ؛ ألا ترى أنه قال :
بَلى وَرُسُلُنا .