تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
ثم قوله - عزّ وجل - :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
، وقوله :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
[ النحل : 57 ] ، وقوله :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
[ النحل : 62 ] - ليس على حقيقة الجعل ، ولكن على الوصف له والقول ؛ أي : قالوا : إن الملائكة بنات اللّه ، ووصفوا لهم بما ذكر ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن اللّه - تعالى - لم يشأ الكفر من الكافر ، وإنما شاء الإيمان ، فإن الكفار ادعوا أن اللّه - تعالى - شاء منهم الكفر ، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام ؛ حيث قالوا :
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
أي : لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها ، ولكن شاء منا عبادة الأصنام ، واللّه - تعالى - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
، أي : ما هم إلا يكذبون . وعندنا الآية تخرج على وجوه : أحدها : أنهم في قولهم :
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
صدقة ؛ فإن معناه : لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها ، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها ؛ فيكون هذا منهم إخبارا عن المخبر به على ما هو ؛ فيكون صدقا . ثم قوله - تعالى - :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
يحتمل : إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة : إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة اللّه - تعالى - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان ، فالله - تعالى - شاء منهم الإيمان دون الكفر ، فقد أخبروا على خلاف المخبر به ؛ فيكونون كاذبين . ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا ، وهو أن الكفر ليس مما شاء اللّه - تعالى - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة ، ولكن يقولون ذلك ردّا على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر : إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر ؟ والإخبار عما هو به وإن كان صدقا ، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقا ، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذبا ، وهذا كقول اللّه - تعالى - :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] وهم في قولهم :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
[ المنافقون : 1 ] صدقة ، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة ؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم ، فيرجع تكذيب اللّه - تعالى - إياهم لكذب قلوبهم ، وإن كانوا في نفس قولهم :
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
صدقة ، وإذا
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 157 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم