تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
عليهم ووسع ، لزمهم الشكر ، والبسط ، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
قد تقدم تأويله . ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة : أحدها : إلى أهل الكفر : أنه لو وسع عليهم وبسط ، لبغوا في الأرض ، أي : صاروا كلهم أهل كفر وضلال ، كقوله - تعالى - :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ . . . .
الآية [ الزخرف : 33 ] . والثاني : يتوجه إلى خاص من المؤمنين ؛ لما علم منهم : أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض ؛ فضيق عليهم وقتر ؛ امتنانا منه وفضلا ؛ لئلا يبغوا ، وهو كما ذكرنا في أحد تأويل قوله - تعالى - :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] : أنه إن كان على حقيقة خلقهم ، فهو في الذين [ علم ] منهم أنهم يعبدونه لا محالة ؛ ليعبدوه على ما ذكر ، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة ، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم ، واللّه أعلم . فعلى ذلك قوله :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
يرجع إلى قوم خاص يعلم اللّه - تعالى - منهم : أنه لو بسط عليهم ووسع ، لبغوا في الأرض ؛ فضيق عليهم ؛ فضلا منه ومنة ؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له ، واللّه أعلم . أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر : أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعا ملوكا ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم ، وفي ذلك التفاني والفساد ؛ فوسع على بعضهم وبسط ، وضيق على بعض ؛ لئلا يبغي بعض على بعض ، إذ في ذلك تفان وتفاسد ، واللّه أعلم بذلك . وقوله - عزّ وجل - :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
، يحتمل قوله :
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا
أي : من رحمته . أو
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا
من الأصنام التي عبدوها ؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند اللّه ، قنطوا ما رجوا منها ، كقوله :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] . ثم سمى المطر : رحمة وغيثا ، أي : الغوث ؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم ، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق ؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم