وما ذكر ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم : المصيبة التي تعم الخلق جميعا ممن كان منهم الزلة ، وما ذكر من كسب اليد ، وممن لم يكن منهم كسب اليد من الزلة والمعصية ؛ من نحو الجدب ، والقحط ، وغلبة الأعداء ، وغير ذلك من الأشياء التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن : من الصغار ، والدواب ، والأبرار ، والأخيار ، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب ؛ تنبيها لهم وموعظة ، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد ، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة ، وهو يخرج على وجهين :
أحدهما : يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم ؛ ليعلم أن ما يعطيهم من السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه ، وهم عبيده وإماؤه وملكه ، إن شاء أهلكهم ، وإن شاء أبقاهم .
أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة ؛ لعوض يعوّض في الآخرة . وكيفما كان ، فهو غير خارج عن الحكمة ، والإيلام للتعويض جائز ممكن ، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض ؛ خلافا للمعتزلة ؛ فإنه عندهم واجب ، وبالله العصمة .
وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه ، فالسبيل فيه أن ينظر كل في نفسه : ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب ؟ فيراجع نفسه عن ذلك ، ويتوب إلى اللّه - تعالى - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيها وزجرا عن المعاودة إلى مثله ، وإما تكفيرا وتمحيصا لما كان منهم ، ولزمهم الشكر على ذلك .
وقد روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « لا يصيب ابن آدم خدش عود ، ولا عثرة قدم ، ولا اختلاج عرق إلا بذنب ، وما يعفو اللّه كثير » « 1 » .
وعلى قول المعتزلة ليس اللّه - تعالى - في إعطائهم الخيرات والحسنات والسعة محسنا مفضلا منعما ؛ لأن من أخذ شيئا بعوض لا يوصف بالإفضال والإنعام ، وقد سمى نفسه بذلك : محسنا منعما ؛ فيكون ما قالوا خلاف ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( 9815 ) عن قتادة والحسن مرسلا .