التي أنزل اللّه ؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب ، [ و ] أولئك الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب ، ويكفرون ببعض .
وقوله - عزّ وجل - :
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
يحتمل وجوها :
أحدها : أي : أمرت لأعدل بينكم يحتمل : في الحكم ؛ أي : أحكم فيما بينكم بالعدل ؛ كقوله - تعالى - :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
[ المائدة : 8 ] .
ويحتمل قوله :
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
في الدعاء إلى توحيد اللّه ودينه ، والعدل في الدعاء ، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه .
وجائز أن يكون قوله :
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
أي : أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم ؛ أي : يسوي بينهم .
ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده ، وهو قوله :
اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ .
وقوله :
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : على المنابذة ؛ كقوله :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
[ الكافرون : 6 ] ، وإنما يقال هذا بعد ما انتهت الحجج غايتها ، والحجاج نهايته ، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم .
والثاني : يقول : إنا لا نؤاخذ بأعمالكم ، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا ،
فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ
[ النور : 54 ] ونحوه .
وقوله :
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ
يحتمل قوله :
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ
أي : لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم ؛ أي : لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها .
ويحتمل أن يقول :
لا حُجَّةَ بَيْنَنا
أي : لا حجة ولا خصومة بيننا بعد ما بلغ الأمر ما بلغ .
ثم قال :
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا
في الآخرة وإليه المصير .
وقوله :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ
قال بعضهم : إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين : إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام محمد بين أظهركم وما دام حيّا ، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه ؛ فنزل لقولهم ذا قوله :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ .
وقال بعضهم « 1 » : إن اليهود قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا للمؤمنين : إن ديننا أفضل ؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا : إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال :
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ
أي : هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء ، وهو الإسلام ؛
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 30652 - 30653 ) .