والثالث : أنّ الإيمان بالجبر والقهر ممّا لا يعرفه الناس ، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف ، وقد وعدهم الإيمان ، وجعل الدين واحدا ، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار ، لا بالجبر والقهر ؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند النّاس ؛ على ما هو الأصل في الكلام ، واللّه الموفق .
وعندنا : أراد به مشيئة الاختيار ، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعا عن اختيار ، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه ، ولا يختارون ذلك ، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه ؛ لذلك لم يشأ لهم ، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا .
وقوله :
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا ، لا أنهم يستوجبون ذلك منه ، ويستحقونه عليه ، واللّه الموفق .
ثم إن اللّه تعالى سمى الإيمان مرة : رحمة بقوله :
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
[ الشورى : 8 ] ، ومرة سماه : منّة بقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ
[ إبراهيم : 11 ] ، وبقوله :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ . . .
الآية [ الحجرات : 17 ] ، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من اللّه - تعالى - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر ، على ما يقوله [ المعتزلة ] : إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر ، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنّة ورحمة ، وتسمية الكفر ضده - معنى ، واللّه أعلم .
وبعد : فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم ، لا بالله - تعالى - ومنه دل أن عنده لطائف ، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى ، ومن لم يعطه إيّاها لم يؤمن ، وقد أعطى المؤمن تلك ، ولم يعط الكافر ؛ لذلك كان ما ذكرنا ، واللّه الموفق .
ثم في تخصيص أمّ القرى ومن حولها بالنذارة وجوه ، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعا بقوله :
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] فإذا كان مبعوثا إلى جميع العالم ، لا إلى بعض دون بعض ، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أمّ القرى ومن حولها معنى وحكمة :
أحدها : لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه : إما بحق القرابة والاتصال ، وإما بحق الأيادي ، ومن حولهم بحق الجوار ؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع ، والنزوع عن الشرك ؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار ؛ لما عندهم - في زعمهم - أن المراد بذلك غيرهم ؛ لما لهم من