تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وحق لها أن تئط ، ما من موضع قدم فيها إلا وملك فيها : ساجد ، أو راكع ، أو قائم ، يسبّح اللّه - تعالى - ويصلي له » « 1 » ، واللّه أعلم . وقوله :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ .
هذا يدل على أنّ ما ذكر من تفطر السماء ؛ لعظم ما يقوله الملاحدة فيه من الشريك ، والولد ، والصاحبة ، حيث قال على إثره :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
، أي : الملائكة ينزهونه ويبرءونه عما يقولون فيه ، ويثنون عليه بالثناء الذي يليق به ، ويصفونه بما هو أهله ، واللّه أعلم . وقوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
امتحنهم - جل وعلا - بالتسبيح ، والثناء له ، والاستغفار لأهل الأرض ، على ما ذكر . ثم قال بعضهم : إن قوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
منسوخ بقوله - تعالى - :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا
[ غافر : 7 ] ؛ لأنّ الأول عام لجميع أهل الأرض ، والثاني خاص ، لكن هذا بعيد ، ومحال أن يستغفر الملائكة ، ويطلبون التجاوز من ربهم لمن يقول له بالشريك والولد والصاحبة ، وإذا كان كذلك كان استغفارهم يرجع إلى المؤمنين خاصة ؛ على ما ذكر في آية أخرى :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] ، وبقوله :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
[ غافر : 7 ] ؛ فكان المراد من العام : هو الخاص ؛ لأنّ المراد منه العموم ، ثم صار منسوخا بورود الخاص متراخيا ، واللّه أعلم . ثم إن كان استغفارهم لجملة أهل الأرض - على ما يقولون - فهو عبارة عن طلب السبب الذي به تقع لهم المغفرة ؛ وهو التوبة عن الشرك والتوحيد ؛ فيكون هذا سؤال التوحيد والهداية لهم ؛ لتقع المغفرة لهم بذلك والتجاوز ؛ ويصيروا لذلك ، وعلى ذلك يخرج استغفار إبراهيم - عليه السلام - لأبيه أنه سؤال وطلب السبب الذي به تقع المغفرة له ، وأن يجعله أهلا لذلك ، وكذلك أمر الرسل - عليهم السلام - قومهم بالاستغفار لهم ، وهو ما قال هود - عليه السلام - و
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
[ هود : 52 ] ، وقول نوح :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] لا يحتمل أن يقولوا لهم : قولوا : نستغفر اللّه ، ولكن يقولون لهم : اطلبوا ، واسألوا ربكم السبب الذي به تقع المغفرة لكم ؛ وهو التوبة عما هم فيه ، واختيار الهداية والرشد لأنفسهم ؛ ليكونوا لذلك أهلا ، فعلى ذلك يخرج استغفار الملائكة إن كان لجملة أهل الأرض ، على ما يقول بعض أهل التأويل ،
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2312 ) ، وابن ماجة ( 4190 ) ، وأحمد ( 5 / 173 ) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1722 ) .