تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ومثل هذا لا يدركه البشر ولا يستفاد منهم ؛ إذ لا يبلغه علم البشر ولا يدرك بالقياس بالسابق من الأمور ، فإذا كان على ما أخبر دل أنه بالله علم ذلك ، وبوحي منه إليه عرف ذلك . وهم جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا : تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه أخر يستدلون بذلك ؛ من نحو أن يقولوا : إنهم أهل كتاب وعبادة يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما فيها لا يتفرغون للقتال والحرب . أو أن يقولوا : إنهم نصارى - أعني : أهل الروم - وليس في سنتهم ومذهبهم القتال والحرب ، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم ولا ظفر . وأمّا أهل الإسلام ليس لهم شيء من تلك الوجوه ولا بغيرها وجه الاستدلال بغلبة أولئك ، فما قالوا ذلك إلا وحيا من الله إليه وإعلاما منه إياه ، فكان في ذلك أعظم آية لصدق رسوله وأكبرها فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر الله بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله ؛ إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته . وقوله :
غُلِبَتِ
و
غُلِبَتِ
:
غُلِبَتِ
على الماضي ؛ لما كان من غلبة فارس على الروم ، و
غُلِبَتِ
بالفتح على المستقبل ؛ أي : تغلب الروم على فارس ، وهو كقوله :
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
[ سبأ : 19 ] على الأمر في المستقبل ،
باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
على الخبر ، فعلى ذلك الأول . وقوله :
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
قيل : أقرب إلى أرض فارس . وقال بعضهم « 1 » :
أَدْنَى الْأَرْضِ
أي : أدنى أرض الشام . وقيل « 2 » : الأرض التي تلي فارس ، والله أعلم . وفي قوله :
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
وفي قوله :
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
وجوه على المعتزلة : أحدها : يقال لهم : وعد أن يغلب الروم على فارس ، وقد أراد أن يخرج ما وعد حقّا صدقا أم لا ؟ فإن قالوا : لا ، فقد أعظموا القول وأفحشوه ؛ حيث زعموا أنه أراد ألا يفي بما وعد أنه يكون . وإن قالوا : نعم ، قيل : دل أنه أراد ما فعلوا ، وإن كان الفعل منهم فعل معصية
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 27883 ) ، وابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر كما ، في الدر المنثور ( 5 / 291 ) . ( 2 ) قاله ابن جرير ( 10 / 167 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 249 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم