تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
ملوك الأرض وأتباعه وحشمه ؛ لأن ملوك الأرض أعزاء بهم ، فإذا هلك ذلك ذهب عزهم ، فأمّا الله - سبحانه وتعالى - إذ هو عزيز بذاته لا بشيء ، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب نقصا لذلك فيه . وقوله :
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
إنما يكون خلف الوعد في الشاهد لإحدى خصال ثلاث : إما لندامة استقبلته فيما وعد فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد ، وحفظ الوفاء له . وإما لحاجة وقعت له فيما وعد فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد وإنجاز ما يطمع . وإما لعجز يكون به لا يقدر على إنجاز ما وعد ، فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد وإنجازه ، فإذا كان الله - سبحانه - يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا فإن ما وعد لم يحتمل الخلف منه ، ولا قوة إلا بالله . وقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
يحتمل قوله :
لا يَعْلَمُونَ
لما لم ينظروا ولم يتفكروا في الأسباب التي هي أسباب العلم بعد ما أعطاهم أسباب العلم ، لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا ، فلم يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها . ويحتمل قوله :
لا يَعْلَمُونَ
أي : لا ينتفعون بما علموا ، فنفى عنهم العلم ؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس وإن كانت لهم هذه الحواس . وقوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
يحتمل قوله : ظاهر الأشياء في المنافع ، ولا يعلمون باطن المنافع بم ؟ وكيف ؟ نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء ، ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان ، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع ، وكذلك السمع والبصر واللسان لا يعلم حقيقة ذلك وكيفيته ، وإن كان يعلم أنه بها يسمع ويبصر ويتكلم ويفهم . وجائز أن يكون قوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً
: منافع الحياة الدنيا ، وعن منافع الآخرة هم غافلون ، وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها ، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة . وابن عباس « 1 » والكلبي وهؤلاء يقولون :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
قالوا : يعلمون معايشهم ، وتجاراتهم ، وحرفهم ، وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
أي : لا يؤمنون بها ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 27886 ) و ( 27887 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 292 ) .