طائعين ، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم .
وذكر عن بعض السلف أنه قال : في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر ؛ إن عيسى - صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهدا ، حتى لم يتخذ لنفسه مسكنا يسكنه ، ولا مقرّا يقر فيه ، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به ، ولا اشتغل بشيء منها ، فرفعه الله إلى السماء ، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره .
وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة ، وجهد في طلبها طاقته ووسعه ، وركن إليها ركونا ، حتى خسفه الله في الأرض ، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه ، فيكون فيها إلى يوم القيامة ؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد ، فيرغب الزاهد في الزهد فيها ، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها ، والله أعلم .
وقوله - تعالى - :
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ
بالبغي الذي بغى عليهم ؛ أعني : على موسى وأصحابه .
وقوله :
فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي ، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته ؛ لذلك قال :
فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، أي : لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه ، وهو كظنّ أولئك :
نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
[ سبأ : 35 ] وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين :
أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم ؛ كقول ذلك الرجل :
سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
[ هود : 43 ] .
والثاني : ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله ؛ فلا يعذبون أبدا .
وقوله :
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ
كانوا تمنّوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون
يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ .
. . وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
« 1 » قال بعض أهل الأدب : ( وي ) صلة ، وإنما هو ( كأنّ ) و ( كأنّه ) « 2 » .
وقال مقاتل :
وَيْكَأَنَّهُ
أي : لكنه ويكأنّ « 3 » .
قال بعضهم : قوله :
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ
أي : اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ،
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : معناه : لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء . شرح .
( 2 ) ثبت في حاشية أ : أصل : ( ويكأنّ ) : وي . شرح .
( 3 ) ينظر : اللباب ( 15 / 297 ) .