تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
صنعة الذهب ويحسنها « 1 » . وقال بعضهم :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
أي : على خبر عندي ، قال ذلك على أثر قول أولئك :
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
إلى قوله تعالى :
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه ، فقال - والله أعلم - : إنما أوتيت ذلك على علم عندي ، لم أوت جزافا بلا سبب ، وكأنه - والله أعلم - نسي الآخرة بما أوتي من المال والكنوز ، وترك الإنفاق في الخير ، وكان ينفق في صد الناس عن سبيل الله ؛ ولذلك قال :
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
، إلا أنه كان عارفا بالله حيث قالوا له :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
وقالوا له :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
دل هذا منهم أنه كان عارفا بالله تعالى . وقوله :
أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً
: ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع ، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه . أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا :
نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
[ سبأ : 35 ] ؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك ، فقال عند ذلك :
أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً
، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب ؛ فعلى ذلك أنت يا قارون ، والله أعلم . وقوله :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
: اختلف فيه : قال بعضهم « 2 » : لا يسألون عن ذنوبهم ؛ كقوله :
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ
[ الرحمن : 41 ] . وقال بعضهم « 3 » : لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية . وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم ؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوبا ، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنبا ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : يقول بعضهم : ( على علم عندي ) ، هو علم الكمية . شرح . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 27261 ) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 262 ) . ( 3 ) قاله محمد بن كعب ، أخرجه ابن جرير عنه ( 27623 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 199 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم