تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم وهواها ، والله أعلم . ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم . أحدها : ما ذكر من صلابة [ الذين ] أوتوا العلم ، ويقينهم ، وطمأنينتهم فيما وعدوا في الآخرة من الثواب ، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم ، وحبسوا أنفسهم عن مناهم وشهواتهم ، ولصلابتهم وقوتهم في الدّين ما وعظوا قارون ، حيث قالوا له :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ . . .
إلى قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
وهو كان يومئذ ملكا ، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا :
وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
. والثاني : ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذي آمنوا فقالوا :
لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 50 ] وقالوا :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
[ طه : 72 ] وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب . والثالث : ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه ؛ حيث قال :
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ
[ غافر : 28 ] وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
[ غافر : 26 ] كأنه همّ أن يقتله ؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان به الله موسى ، ونفع له بما قال ، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل . فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها . ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
[ الأعراف : 159 ] . وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان ، أو خاف على دينه أن يذهب به ، أو أن يدخل فيه النقصان ألّا يبدّل ذلك ، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشدّ ما يكون من العذاب ؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشدّ العذاب وأسوأ القتل ، ولم يتركوا الإيمان ، ولم يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم ، فهكذا الاختيار على كل مسلم أن يختار ما اختار أولئك . وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم ، ويأمروهم بكل ما يؤتى ، وينهوهم عن كل محذور ، ويدلوهم على كل خير وكل ما هو طاعة لله ، كما فعل قوم قارون بقارون ، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا أتوا