تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
واعلموا أنه لا يفلح الكافرون ، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء ، ولكنه لا يفلح الكافرون . وقال بعضهم : ألم تر أن الله يبسط الرزق ، وألم تر أنه لا يفلح كذا . وقال الزجاج « 1 » : « وي » مقطوعة من ( كأنّ ) وهو حرف يفتتح به التندم ، ثم ابتدأ بقوله : كأنه لا يفلح الكافرون « 2 » . ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله ؛ لأنهم ذكروا منّة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون ، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة ؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له ، بل المنع أصلح له ، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدّين . وقوله :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
في ظاهرها : أن كل من لا يريد العلوّ في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله ، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة ، وجهنم هي من دار الآخرة أيضا ، لكن الآية تخرج على وجهين : أحدهما : كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل ، والفساد فيها ، في صرف الناس عن دين الله واتباع الرسل ، فقال - والله أعلم - :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
- أي : الجنة - ليست لهؤلاء ، ولكن لمن تواضع للرسل ، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل . والثاني : تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك ، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة ، فتلك الدار الآخرة ليست لهم ، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة . وقوله :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
: كأنه يقول : تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر ، وهي الدار التي قال الله فيها :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
[ يونس : 25 ] ، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة ؛ الدار الآخرة على الإطلاق : الجنة ؛ كالكتاب المطلق كتاب الله ، والدين المطلق : دين الله ، ونحوه . وقوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
أي : تلك الدار الآخرة للمتقين . وقوله :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
يخرج على وجوه :
هامش
( 1 ) ينظر : معاني القرآن وإعرابه ( 4 / 157 ) . ( 2 ) ثبت في حاشية أ : وقال أبو عوسجة : ( ويكأنّ ) : ( ويك ) ، مثل قولك ( ويلك ) طرحت منه الألف والنون .