تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
على إثره جوابا له ، إلا أن يقال : إن قوله :
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ
أي : لم تصبهم مصيبة ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقوله :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
[ النور : 16 ] أي : لم تقولوا : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، وقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ
[ النور : 14 ] أي : لم يمسّهم ، وجميع ما ذكر في هذه السورة من
وَلَوْ لا
كله أنه لم يكن ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويل قوله :
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ
أي : لم تصبهم مصيبة ، ولو أصابتهم مصيبة ، وهو العذاب
فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
وهو كقوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
[ طه : 134 ] على هذا يخرج تأويل هذا . ثم في هذه الآية في قوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ
وجهان : أحدهما : على من يقول بأن ليس لله أن يعذبهم بما كان منهم قبل بعث الرسل إليهم لقوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، وفي الآية بيان أن له أن يعذبهم وإن لم يبعث الرسل ؛ لأنه أوعدهم الهلاك ، فلو لم يكن له التعذيب والإهلاك لم يكن للإيعاد فائدة ؛ فدل أن له الإهلاك في الدنيا والاستئصال ، لكنه أخره عنهم ؛ فضلا منه ورحمة . والثاني : على المعتزلة في قولهم الأصلح ؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أوعدهم أصلح لهم من الترك أو الترك لهم أصلح : فإن كان ما أوعد لهم أصلح فقد تركهم ؛ فيكون في تركهم إياهم جائرا على قولهم ؛ لأنه لم يفعل ما هو أصلح لهم في الدين . أو أن يكون الترك لهم أصلح ؛ فيكون بما أوعدهم جائرا ؛ إذ أوعد بما كان غيره أصلح لهم مما أوعد ؛ فدل ما ذكرنا على أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم في الدين . ثم قوله :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
ليس الكفر نفسه ، ولكن العناد والمكابرة مع الكفر ؛ لأن عذاب الكفر في الآخرة ليس في الدنيا ؛ لأن الله تعالى قد أبقى كثيرا من الكفرة لم يهلكهم ولم يعذبهم في الدنيا ، ولكن إنما أهلك واستأصل في الدنيا من عاند وكابر الرسل في الآيات والحجج التي أتوهم بها وأقاموها عليهم على أثر سؤال كان منهم ، فعند ذلك أهلكهم واستأصلهم لا بنفس الكفر ، ثم مع ما كان له التعذيب قبل بعث الرسل لم يعذبهم ، ولكن أخر عنهم إلى أن يبعث الرسل إليهم بالآيات والحجج ؛ ليقطع به لجاجهم ومنازعتهم فضلا منه ، وإن لم يكن لهم الاحتجاج عليه بقولهم :
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
. يحتمل قوله :
فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
الآيات التي تبعث مع الرسل لا يبعث الرسل بالآيات .