فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ
[ سبأ : 54 ] ، أي : كما حيل بين أشياعهم وبين الإيمان به ، عند معاينة بأس الله وعذابه ، وهو قول الحسن .
وقال أبو بكر قريبا من هذا ، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا ؛ لجهله به - فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى ، أو كلام نحو هذا .
وقال بعضهم : من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له - فهو في الآخرة يكون أعمى الوجه والحواس ؛ كقوله :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
[ طه : 125 ] ، وكقوله :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا . . .
الآية [ الإسراء : 97 ] : ما ذكر ذاهبة حواسهم لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس .
ويشبه أن يكون قوله :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
: بالافتراء على الله
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
، أي : مفتر على الله - أيضا - كقوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، ونحوه : يفترون في الآخرة ويكذبون كما كذبوا في الدنيا ، وكقوله :
أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
[ الأعراف : 53 ] ، ثم أخبر عنهم فقال :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
[ الأنعام : 28 ] .
وقال قتادة « 1 » :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
: يقول : ومن كان في الدنيا فيما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم أعمى
فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
الغائبة عنه التي لم يرها -
أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
، وهو قريب مما ذكرنا .
وقال ابن عباس « 2 » - رضي الله عنه - ومن كان في هذه النعم أعمى أن يعلم أنها من الله - فهو في الآخرة أعمى عن حجته ، ويقال : عن دين الله ، وأضل طريقا ، ويقال :
أضل عن حجته .
وقال غيره من أهل التأويل : من كان في هذه النعم أعمى - يعني : الكافر - عمي عنها ، وهو يعاينها ؛ فلا يعرف أنها من الله فيشكر ربها ؛ فهو في الآخرة أعمى ، يقول :
عما غاب عنه من أمر الآخرة من البعث والجزاء - أعمى وأضل سبيلا وأخطأ طريقا ، وبعضه قريب من بعض ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 73 إلى 77 ]
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 76 ) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ( 77 )
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 22532 ) و ( 22533 ) ، وأبو الشيخ في العظمة كما في الدر المنثور ( 4 / 352 ) .
( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 22530 ) ، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة كما في الدر المنثور ( 4 / 352 ) .