تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وكذلك البر سخر لهم ؛ حتى يصلوا إلى ما في باطنه من الأموال والمنافع وظاهره . والثاني : أن جعلهم بحيث يقضون حوائجهم التي كانت لهم من وراء البحر ووراء البرّ - ما لم يجعل ذلك لغيرهم من الخلائق - قضاء الحوائج من ورائهما ، وذلك معنى تفضيلهم الذي ذكر ، ثم ما ذكر على أثر قوله :
كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
، هو تفسير تفضيله وإكرامه ؛ حيث قال :
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
. وجائز أن يكون ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم - هو ما جعل فيهم من الأنبياء ، والرسل ، والأتقياء ، والأخيار منهم - ما لم يجعل ذلك من غيرهم ؛ ألا ترى أن موسى - عليه السلام - قال :
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
الآية [ المائدة : 20 ] . وقوله :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
. هو ما ذكرنا : أن جعل أرزاقهم وغذاءهم ما بلغ في الطيب غايته ، ولا كذلك غذاء غيرهم من الدّواب ورزقهم ؛ لأنهم لا يأكلون إلا بعد أن يستخرجوا منه ما فيه من أذى وخبث وخشونة : من النخالة وغيرها ، وفي الطبخ والنضج حتى يبلغ في الطيب واللين غايته . وأمّا غيرهم من الدواب فإنما يأكلون كما هو نيئا غير مطبوخ ولا نضيج ، وفيه من الخبث والأذى .
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
. أمّا بعض أهل التأويل فإنه قال : فضلناهم على كثير ممن خلقنا : على الجن والشياطين ، وأصحابهم غير الملائكة . وقال بعضهم : على كثير ممن خلقنا : من الحيوان والدواب ،
تَفْضِيلًا
: بالأكل بالأيدي ، وجعل رزقهم من غير رزق الدواب . ويحتمل
عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا
: ممن على وجه الأرض من الجن وغيرهم ؛ لما لم يرسل إلى الجن رسول منهم ، ولا أنزل عليهم كتاب على حدة ، وما جعل أرزاقهم مما يفضل من البشر من العظام والسرجين وغيره ، على ما ذكر ؛ فذلك وجه تفضيلهم عليهم . وأمّا الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر - فإنّا لا نتكلم في شيء من ذلك ؛ [ لما ] « 1 » لا نعلم ذلك ، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ؛ فالأمر فيه إلى الله في تفضيل هؤلاء على هؤلاء ، وهؤلاء على هؤلاء ، ليس إلينا من ذلك شئ ، ولا جائز أن يجمع بين أشرّ البشر وأفسقهم وبين الملائكة الذين لم يعصوا الله طرفة عين ، فيقال : هم أفضل من الملائكة ؛ ولكن إن [ كان ] لا بد فإنما يجمع بين الأنبياء والرسل
هامش
( 1 ) سقط في أ .