تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ . . .
الآية [ البقرة : 224 ] ، ذكر أن قوما كانوا يحلفون ألا يبروا الناس ، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذرا لهم في ترك الإنفاق عليهم ، والتعاون ، والإصلاح بين الناس ، فنهوا عن ذلك ، وذلك اليمين لهم ، ولمن كان في معناهم ، ليس لهم خاصة ؛ فعلى ذلك قوله :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ . . .
الآية ، وإن كان في أبي بكر فهو فيه « 1 » وفي الذين في معناه . وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم ، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم ، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر ، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك ، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه ، وهو ما قال :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية ، وكل رام محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية ؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية . وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب بالمرء أو نازلة لمعنى ، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم ؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق ، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة ، ثم أمره بالعفو والصفح ، وهو قوله :
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
، أي : اعفوا عن إساءته واصفحوا أي : لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة ، ولا تذكروا زلته أيضا ؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة ، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعا ، والله أعلم . وقوله :
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
أي : قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة ، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم ، والله غفور رحيم . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
: قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا : هن الحرائر ، والغافلات : هن بريئات من الفاحشة ، والمؤمنات ظاهر . وقوله :
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس ؛ لذلك ذكر فيهم اللعن ؛ فهو كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
والمؤمن لا
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 335 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 536 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم