تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له ؛ أنفا واستكبارا ؛ أو لا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] ، وقوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ . . .
الآية [ الإسراء : 88 ] لا يحتمل ألا يدبروا فيه ؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه ، إلا أنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا ؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له . قال أبو عوسجة :
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
، أي : يستغيثون « 1 » ، قال : وأصله من الصياح . وقال بعضهم :
يَجْأَرُونَ
: يصرخون . وقيل : يصيحون . وقيل :
سامِراً تَهْجُرُونَ
ما ذكرنا من الحديث بالليل ،
تَهْجُرُونَ
، أي : تهذون كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض . قال : وأهجر يهجر ، من الهجر : وهو الفحش ، وهجّر يهجّر : إذا سار في الهاجرة ، وهي شدة الحرّ . وقوله :
تَنْكِصُونَ
: قال بعضهم : ترجعون ، وقال بعضهم « 2 » : تستأخرون ؛ كقوله :
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
[ الأنفال : 84 ] : ترجعون ، وتستأخرون واحد . وقوله :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
: قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين : أحدهما : على ترك التدبر فيه والتفكر ، والإعراض عنه ، أي : لم يدبّروا فيه ، ولم يتفكروا . والثاني : على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر ، أي : قد تدبّروا فيه ، وعرفوا أنه منزل من الله ، لكنهم تركوا متابعته ؛ عنادا وتمردا [ و ] إشفاقا على ذهاب رياستهم ، وطمعا في إبقائها ودوام مأكلتهم ، فأي الوجهين كان ، ففيه لزوم حجج الله وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها ؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها ، حيث استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها : بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها . وظاهر قوله :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا
استفهام ، إلا أنه في الحقيقة : إيجاب لها ؛ لا يجوز أن يستفهم الله أحدا ؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب . وقوله :
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
أي : قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 25580 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 23 ) . ( 2 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير عنه ( 25588 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 23 ) .