تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
الرسل ، ثم [ لم ] يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباءهم ، لم يخصوا هم بالرسول ؛ فكيف أنكروه ؟ ! ألا ترى أنهم قالوا :
لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
[ فاطر : 42 ] : قد أقرّوا أن في الأمم المتقدمة رسولا ؛ حيث قالوا :
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
. وعلى ذلك يخرج قوله :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
. أي : قد عرفوا رسولهم ، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه ؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين ؛ عنادا وتكبرا ؛ إشفاقا على رياستهم لكي تبقى ؛ ألا ترى أنه قال :
يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ . . .
الآية [ البقرة : 146 ] . وعلى هذا ،
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
. أي : قد عرفوا أنه ليس به جنة . وجائز أن يكون قوله :
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
: جاء هؤلاء ما لم يأت آباءهم ، وخصّ هؤلاء ما لم يخص آباءهم . وكذلك قال ابن عباس : لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين . وجائز أن يكون قوله :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
: إلى ما ذكر من قوله :
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه ، ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره ؛ كقوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
[ الروم : 8 ] ، أي : تفكروا فيه ؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه ، أو على ما ذكرنا : أنهم تفكروا وعرفوا : أنه ليس به جنون ، ولا شيء مما وصفوا به ؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على أتباعهم وسفلتهم ؛ إشفاقا على إبقاء ما ذكرنا . وقال بعضهم : قوله :
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
: من البراءة من العذاب . وقوله :
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
. بالرسالة والقرآن من عند الله ، وجعل العبادة [ له ] من دون الأصنام التي عبدوها . [ وقوله : ]
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
. كرهوا الحق ؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم على أتباعهم ، بعد معرفتهم أنه حق ، أو كرهوا ؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق ، وإلا [ لا ] أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه ؛ إلا للوجهين اللذين ذكرناهما ، والله أعلم . وقوله :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ
.