تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين ، والثبوت على الدين ، ووعدت لهم الجنة ، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء ، أو وعدوا لهم بنصر ، أو نحوه . وجائز أن يكون قوله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ
في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار ، يصبر رسوله : لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق ، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة ، وهو ما قال :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ . . .
الآية [ هود : 120 ] . وقوله :
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
أي : لم يعاقب الله قوما كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل ، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم ، وزاد لهم تكذيبا وعنادا ، فعند ذلك أخذوا ، وعوقبوا بالتكذيب ، وهو ما أخبر عنهم ، وهو كقوله :
لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ
[ المجادلة : 8 ] . قال الحسن : إن الله لم يهلك قوما بأول التكذيب ، ولكن أمهلهم قرنا فقرنا ، وقوما بعد قوم ، ورسولا بعد رسول ، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم ، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم علم ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون ، وهو كقوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
[ محمد : 31 ] علم ظهور في الخلق ، وإن كان يعلم علم باطن وخفي . وقوله :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ
، لم يهلك الله تعالى أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك ، كقوله :
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
[ القصص : 59 ] ، وكقوله :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
[ هود : 117 ] ، وأمثاله كثير ، على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها . وقال بعضهم « 1 » : خاوية : خربة ، ساقطة حيطانها على سقوفها . وقال الحسن : العريش : كل ما ارتفع من الأرض وعلا ، يقال : عرش ، وعروش جمع ، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى :
هامش
( 1 ) قاله الضحاك وقتادة ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 25294 ، 25295 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 658 ) .