تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
جهة يذهب الاحتجاج بها عليهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
. قوله :
نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
للتفكر والنظر في قول إبراهيم حيث قال :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
، إنما علق فعل الكبير بهم إن نطقوا ، فقالوا : لقد علمت يا إبراهيم ما هؤلاء ينطقون ، فكيف قلت :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ
، فإذا كانوا لا ينطقون لم يفعل كبيرهم ، ثم قال :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ
فإن قيل : إن إبراهيم لم يحتج عليهم أن كيف تعبدون من دون الله ما لا ينطق ؟ ولكن قال :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ
. قيل : قد كان احتج عليهم من ذلك النوع حيث قال :
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
[ الشعراء : 72 ، 73 ] وبعد فإنه قد احتج عليهم بعجزهم عن النطق حيث قال :
فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
، ثم قال هاهنا :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً
إن عبدتموهم
وَلا يَضُرُّكُمْ
إن تركتم عبادته .
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أف : هو كلام كل مستخف بآخر ومستحقر له في فعله ؛ يقول :
أُفٍّ لَكُمْ
، فإبراهيم حيث قال ذلك لهم إنما قال استخفافا بهم وبما عبدوه ،
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
: أن عبادة من لا ينفع ولا يضر لا تصلح ولا تحل . وفي أنباء إبراهيم خصال ليست تلك في غيرها من الأنباء : إحداها : أنه لم يترك صنما كان يعبد دون الله إلا وقد نقض ذلك . والثانية : أنه حاج قومه أولا في فساد مذاهبهم وفساد ما اعتقدوه ، ثم بعد ذلك أقام عليهم حججه وبراهينه ؛ لأنه قال :
هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : 77 ] ، وقال :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
، وقال :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
[ البقرة : 258 ] ، فلما أراهم فساد مذهبهم ، فعند ذلك ذكر حججه وبراهينه حيث قال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً
[ الأنعام : 79 ] ، وقال :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . . .
الآية [ الشعراء : 78 ] ، وهكذا الواجب على كل متناظر أن يبدأ أولا بإظهار فساد مذهب خصمه ، فإذا أراه فساد مذهبه ، فحينئذ يذكر حجج مذهبه وبراهين ما يعتقد ؛ ليكون لها أسمع وعند إقامتها أقبل . والثالثة : أنه لم يبتل نبي قط بفرعون مثل فرعونه ولا قوم مثل قومه في السفه والبغض والهم بقتله بالنار . وجائز أن يكون خصوصية الخلة لهذه الخصال التي ذكرناها ، والله أعلم .