تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وقوله - عزّ وجل - :
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً
. وجذاذا : قال بعضهم « 1 » : قطعا . وقال القتبي « 2 » : جذاذا : فتاتا ، وكل شيء كسرته فقد جذذته ؛ ومنه قيل للسويق : جذيذ ، والجذ : هو القطع ، والمجذوذ : المقطوع ، وذلك قوله :
غَيْرَ مَجْذُوذٍ
[ هود : 108 ] أي : غير مقطوع . وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ
لم يكسره
لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
. يقول : إلى الصنم الأكبر الذي لم يكسره إبراهيم يرجعون من عيدهم . وقال بعضهم : لعلهم إلى الحجة يرجعون ، وقيل : هو أحج القولين ، أي : من الحجة . وقال بعضهم « 3 » :
لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
، أي : يتذكرون . وجائز أن يكون قوله :
لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
، أي : يرجعون إلى ما يريد أن يكيد لهم في أصنامهم ؛ لأنه إنما يريد أن يكيد لهم إذا رجعوا إلى الأصنام فرأوها مجذوذة ، والكيد : هو الأخذ على الأمن وكذلك المكر . وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ
. لو تأملوا كانوا هم الظلمة في الحقيقة ؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام رجاء منفعة تكون لهم حيث قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] و
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، فإذا رأوهم لا يقدرون على دفع الكسر والقطع عن أنفسهم ودفع من فعل بهم ذلك ، كيف طمعوا منها نفعا أو دفع الضر عن أنفسهم ؛ لأن من عجز عن دفع الضر عن نفسه فهو عن دفعه عن غيره أعجز ، فهم الظلمة في الحقيقة ؛ حيث طمعوا النفع ودفع الضر ممن لا يملك ذلك لنفسه ، لكن قالوا ذلك سفها منهم . وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ
: بالكيد لهم حين قال :
لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
، سمع ذلك القول منه ناس ، فأخبروا قومهم لما قالوا :
مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا
فعند ذلك قالوا :
سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ
بالكيد لهم
يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
. وجائز أن يكون قوله :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ
: بالعداوة ، وهو حين قال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 77 ] ، أخبر أن أولئك الذين عبدوا الأصنام أعداء له ، فالمعبود الذي عبدوه يكون عدوا له أيضا ، فاستدلوا بذلك القول منه أنه هو فعل بهم ما
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 24632 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 578 ) . ( 2 ) انظر : تفسير غريب القرآن ص ( 286 ) . ( 3 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 24637 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 578 ) .