تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
هذا ظاهر . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
: جائز أن يكون قوله :
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
أي : جعلها في الخلقة بردا وسلاما على إبراهيم خاصة ، وأما على غيره فهي على ما هي في طبعها من الإحراق والحر ؛ فيكون ذلك من أعظم آيات رسالة إبراهيم ونبوته . أو أن يكون على الوحي والإلهام على ما قاله أهل التأويل : إنه أوحى إليها أن
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
، لكنه إن كان على هذا فجائز أن يجعل في سريتها ما تفهم أمره ويمكن فيها ما تفطن ذلك فلم تحرقه . وقول أهل التأويل « 1 » : إنها بردت حتى لم ينتفع به أهل المشرق والمغرب ثلاثة أيام ، فذلك لا يعلم إلا بالسمع « 2 » . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
. الكيد : هو الأخذ من حيث الأمن ، فجائز أن يكونوا كادوه أن حبسوه في موضع ، ثم جمعوا عليه الحطب من غير أن علم هو ذلك ، ثم أوقدوا عليه النار . أو أن يكون أخذوه مغافصة ، فجعلوه في المنجنيق ثم رموه في النار ؛ على ما قاله بعض أهل التأويل « 3 » . أو أن يكونوا كادوه كيدا آخر سوى ذلك فنحن لا نعلم ذلك . وقوله - عزّ وجل - :
فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
. لا شك أنهم في الآخرة من الأخسرين ، وأما خسرانهم في الدنيا فلا نعلم ذلك الخسران ، والله أعلم به . وقال بعضهم « 4 » في قوله :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
: وذلك أنه لما جعل في النار أنجاه الله منها ، وجعلها عليه بردا وسلاما على إبراهيم ، وأمره الله تعالى بالخروج إلى الأرض المقدسة ، فخرج إليها فطلبوه وبعث ملكهم إلى أصحاب المناظر فقال : لا يمر بكم إنسان يتكلم بالسريانية إلا حبستموه ، قال : فحول الله لسانه بالعبرانية ، فمر بهم فعبر عليهم ، فانطلق إبراهيم متوجها نحو أهله ، فذلك قوله :
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ
،
هامش
( 1 ) قاله كعب بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 24657 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة عنه ، وبمثله عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 13 / 541 ، 542 ) . ( 3 ) انظر : تفسير البغوي ( 3 / 59 ) . ( 4 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن سعد عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 581 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 358 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم