وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
.
يذكر - والله [ أعلم ] - بهذا رسوله : أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك لجهلهم بالرسالة ، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون لقومه لما عبدوا العجل حيث قال :
يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
فكأنه يؤيسه عن إيمان أولئك لعنادهم ، وهو ما قال :
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ
[ البقرة : 75 ] .
وقوله :
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
يحتمل وجهين :
أحدهما :
فُتِنْتُمْ
، أي : صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره .
والثاني :
فُتِنْتُمْ
أي : ضللتم به ، أي : بالعجل وإن ربكم الرحمن .
وقوله - عزّ وجل - :
فَاتَّبِعُونِي
، أي : أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به
وَأَطِيعُوا أَمْرِي
، أي : ما آمركم به .
وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
.
قال بعضهم « 1 » :
لَنْ نَبْرَحَ
، أي : لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع إلينا موسى .
وقال بعضهم :
لَنْ نَبْرَحَ
، أي : لن نفارق عبادته ، ثم قال موسى :
يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
هذا يدل أن قول هارون لهم :
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
أراد به : الضلال ؛ حيث قال له موسى :
إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
يحتمل
أَلَّا تَتَّبِعَنِ
، أي : ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا ؟ وقد علمت إلى أين صرت أنا ، أو أن يكون قوله :
أَلَّا تَتَّبِعَنِ
، أي : ألا تتبع ديني وسنتي وكانت [ سنته ] ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله .
فاعتذر إليه هارون فقال :
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
، هذا أيضا يخرج على وجهين :
أحدهما : أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي :
فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل لعلهم
هامش
( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 8 / 449 ) ، والبغوي ( 3 / 229 ) .