تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
القرنين وبنائه ونبأ أصحاب الكهف وأخبارهم ؛ ليتبين لهم صدقه ؛ إذ علموا أن تلك الأنباء والقصص لا يعلم ولا يعرفها إلا من علم كتاب الله ؛ إذ كان ذلك في كتب الله ، وهو لم يعرف تلك الكتب ؛ لأنها كانت بغير لسانه ، ولم يروه اختلف إلى من يعرفها ليتعلم منه ، ثم أنبأهم على ما كان في كتبهم ، فدل أن ذلك إنما عرف بالله وأنه صادق فيما يدعي من الرسالة ، على هذا يجوز أن يقال - والله أعلم - فيكون في ذلك آية لرسالته ونبوته . أو أن يكون قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ . . .
إلى آخره ، أي : اضرب لهم مثلك ومثلهم مثل رجلين ، فيكون مثلك ومثلهم مثل ما ذكر من رجلين . . . إلى آخره « 1 » . أو أن يكون قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ . . .
أي : اضرب للمعتبرين والمتوسمين مثل رجلين ، كل رجلين هذا سبيلهما ، يرغب أحدهما في الدنيا وزينتها ويطلبها لا يرى غيرها ، والآخر يرغب في الزهد فيها وترك الطلب لها والرغبة في الآخرة ، فإن كان على هذا أو ما ذكرنا من ضرب مثله ومثل أولئك ، فهو على الابتداء ، فيخرج على الاعتبار والتفكر فيما ذكر تنبيها وإيقاظا ، وإن كان على السؤال عما كان فهو ليس على الاعتبار ، ولكن على الإنباء أنه رسول ، ففيه آية لرسالته ونبوته . ثم قوله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
، أي : بين الجنتين ،
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها
، أي : حملها ، ولم يقل : ( آتتا أكلهما ) ، خرج على اسم واحد وإن كان في المعنى على التثنية ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقولك : كلتا المرأتين صالحة ، وكلانا صالح ، وفيه قول الشاعر :
كلانا شاعر من حي صدق * ولكن الرحى نقلوا الثفالي
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
أي : لم تنقص من ثمرها شيئا . وقوله - عزّ وجل - :
وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً
أي : أجرينا بينهما مياها جارية . وقوله :
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ
قال بعضهم : من قرأ :
ثَمَرٌ
بالرفع فهو كل ما كان يملك من الجنان وغيرها ، ومن قرأ بالنصب فهو على الثمر . وقال بعضهم : الثمر بالنصب فهو الثمر ، والثمر بالرفع فهو جميع الثمار ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ
يكلمه أو يجيبه أو ينازعه ويناظره :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
لا يحتمل أن يكون هذا الخطاب منه على الابتداء ؛ لأنه لا يصلح على الابتداء ؛ فيشبه أن يكون كان من صاحبه له وعيد وتخويف ، فعند ذلك قال له
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 12 / 483 - 484 )
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 170 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم