تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ومعنى قوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
. أي : عصم ربي . والله أعلم . إنه لما قال ذلك ؛
لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
؛ لما عصمني الله عن ذلك ، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
أي : [ ما ] « 1 » عصم ربي ؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات ، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد ؛ ألا ترى أنه قال :
فَأَمَّا مَنْ طَغى . وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى . وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 37 - 41 ] أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها ، هذا يدل أن قوله :
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر ، النفس أبدا تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى ، وتنفر عن الشدائد والمكروهات ، على هذا طبعت وجبلت . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
أي : [ لا يجعل ] « 2 » فعل الكيد والخيانة هدى ورشدا ، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية . وقوله - عزّ وجل - :
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
[ أي : أجعله لنفسي خالصا لحوائجي وأن يكون قوله :
أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
] « 3 » : أصدر لرأيه وأطيع أمره ، في هذا يقع استخلاصه إياه ؛ ولذلك قال :
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ . . .
الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصا دون الناس لا يشرك غيره فيه ؛ دليله ما ذكر في حرف حفصة إنك اليوم لدينا مطاع أمين . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
. ولم يذكر فيه أنه أتى به ، ولكن قال : فلما كلمه ؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به ؛ حيث قال :
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
قيل : المكين : الوجيه ، وقيل : المكين : الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
. سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام ، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم ؛ في تقديم من يجب تقديمه ، والقيام بحاجة الأحق من غيره . وعلم أنه إليه يرجع ، ويقع حوائج أكثر الناس ، وبه قوام أبدانهم ؛ فسأله
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : لا يحتمل ، وفي ب : يجعل . ( 3 ) سقط في أ .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 254 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم