تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
وقوله - عزّ وجل - :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ
أخبر أنه كان مصدقا ما بين يديه من التوراة ؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى اللّه عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضا فيما أنزل عليهم من الكتب ، تأخر أو تقدم . وقوله - عزّ وجل - :
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ
[
هُدىً
] : من الضلالة لمن تمسك به ،
وَنُورٌ
لمن عمى ولمن استناره .
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ
فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضا على بعد أوقات النزول [ مما ] يدل : أنه من عند واحد نزل ، جل اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
يحتمل : موعظة للمؤمنين ؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به ، وأما غير المؤمن فلا يتعظ به . ويحتمل قوله :
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
: الذين اتقوا المعاصي كلها . وفي قوله :
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
، وكذلك قوله - تعالى - :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
[ البقرة : 178 ] - دلالة أن القصاص للعبد « 1 » خاصة ؛ حيث رغبه في العفو عنه والترك له ، ليس كالحدود التي هي للّه تعالى ؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به ، وذكر في القصاص والجراحات ؛ دل أن ذلك للعبد : له تركه ، وسائر الحدود للّه ليس لأحد إبطالها « 2 » ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 3 » . ذكر في موضع :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
، وفي موضع :
الظَّالِمُونَ
، وفي موضع :
الْفاسِقُونَ
فأمكن أن يكون كله واحدا « 4 » : أن من لم يحكم بما أنزل اللّه جحودا منه له ، واستخفافا ؛ فهو كافر ، ظالم ، فاسق . ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل اللّه ؛ إذا ترك الحكم به
هامش
( 1 ) في ب : للعباد . ( 2 ) في الأصول : إبطاله . ( 3 ) قال القاسمي ( 6 / 231 ) : في هذه الآية والآيتين المقدمتين من الوعيد ما لا يقدر قدره ، وقد تقدم أن هذه الآيات وإن نزلت في أهل الكتاب فليست مختصة بهم ؛ بل هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل اللّه ؛ اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ويدخل فيه السبب دخولا أوليّا . ( 4 ) في أ : كلمة واحدة .