تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
بل أماتوها ؛ فسمى أولئك أحياء ، والكفار موتى . وقيل : سمى هؤلاء أحياء ؛ لأنهم انتفعوا بحياتهم ، وسمى الكفار أمواتا ؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم . ألا ترى أنه - عزّ وجل - سماهم مرة
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] ؛ لما لم ينتفعوا بسمعهم ولا ببصرهم ولا بلسانهم ، ولم يسم بذلك المؤمنين ؛ لما انتفعوا بذلك كله ؟ ! فعلى ذلك سمى هؤلاء أحياء ؛ لما انتفعوا بحياتهم ، وأولئك الكفرة موتى ؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم ، واللّه أعلم . وقال الحسن : إن أرواح المؤمنين يعرضون على الجنان ، وأرواح الكفار على النار « 1 » ؛ فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لأرواح غيرهم من المؤمنين ذلك ، ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم وشدة ما لا يكون لأرواح غيرهم من الكفرة ذلك ؛ فاستوجبوا بفضل اللذة على غيرهم اسم الحياة . ألا ترى أنه قال - تعالى - :
يُرْزَقُونَ :
فيها ،
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .
وقيل « 2 » : إن الناس كانوا يقولون فيما بينهم : من قتل ب « بدر » وأحد مات فلان ومات فلان ؛ فقال اللّه - عزّ وجل - :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ
البقرة : 154 ] « 3 » . وقوله - عزّ وجل - :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ :
روي عن مسروق « 4 » ، قال : سألت عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - عن هذه الآية :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
الآية ؛ قال : سألت عن ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فقال : « أرواحهم عند اللّه في حواصل طير خضر ، لها قناديل معلّقة بالعرش ، تسرح في الجنّة في أيّها شاءت ثمّ تأوى إلى قناديلها . . . » « 5 » والحديث طويل .
هامش
( 1 ) ذكره ابن عادل بنحوه في اللباب ( 6 / 48 ) . ( 2 ) أخرجه بنحوه ابن جرير ( 7 / 392 ) ( 8221 ) عن الضحاك . ( 3 ) قال الواحدي : الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من أن أرواحهم في أجواف الطير ، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون . ينظر : محاسن التأويل ( 4 / 290 ) . وهذا الخبر المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخرجه أحمد ( 1 / 266 ) وأبو داود عن ابن عباس مرفوعا . وقد أطال الفخر الرازي النفس في تفسير حياة الشهداء ، فليراجع مفاتيح الغيب ( 9 / 73 - 76 ) . ( 4 ) مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي الإمام القدوة : ثقة لا يسأل عن مثله ؛ كما قال ابن معين . مات سنة 63 ه . راجع خلاصة الخزرجي ( 3 / 21 ) ، سير أعلام النبلاء ( 4 / 63 ) رقم ( 17 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( 121 - 1887 ) عن مسروق قال : سألنا عبد اللّه - هو ابن مسعود عن هذه الآية - :وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[ آل عمران : 169 ] قال : أما إنا -