فمكتوب ذلك عليه ، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه ، فإذا لم تقدروا دفع ما كتب عليكم من الموت ؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا ، وهو مكتوب عليهم كالموت ؟ ! .
وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن من قتل مات قبل أجله ، أو قبل أن يستوفي أجله « 1 » ؛ فهم واليهود فيما أنكر اللّه عليهم قولهم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواء بقوله :
قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 169 إلى 171 ]
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً :
قيل فيه بوجوه ، قيل : إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر : إنهم ماتوا ؛ فأنزل اللّه - عزّ وجل - :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بأحد وبدر
أَمْواتاً
كسائر الموتى ؛ بل هم أحياء عند ربهم .
وقيل : قالوا : إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث ؛ فقال - عزّ وجل - : بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى « 2 » .
وقيل : إن العرب كانت تسمي الميت : من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر ، أي : لم يبق له أحد يذكر به ؛ فقالوا : إذا قتل هؤلاء ماتوا ، أي : لا يذكرون ؛ فأخبر اللّه - عزّ وجل - أنهم مذكورون في الملأ : ملأ الملائكة ، وملأ البشر ، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم « 3 » .
وقيل : قوله - عزّ وجل - :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي : يجري أعمالهم بعد قتلهم ، كما كان يجري في حال حياتهم ، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم ، ليسوا بأموات .
وقيل : إن حياتهم حياة كلفة ؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة ؛ ففعل المؤمنون ذلك : أحيوا أنفسهم في الآخرة ؛ فسموا أحياء لذلك ، والكفار لم يحيوا أنفسهم
هامش
( 1 ) تقدم ذكر هذه المسألة ، وراجع : أصول الدين للبزدوي ( ص 167 ) .
( 2 ) وهناك أسباب أخرى أخرجها الطبري في تفسيره ( 7 / 386 - 387 ) .
( 3 ) كما قال الشاعر :موت التقيّ حياة لا فناء لها * قد مات قوم وهم في الناس أحياءينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 172 - 173 ) .