تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
الدِّينَ
[ العنكبوت : 65 ] ، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول ، وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ
الآية [ الزمر : 8 ] ، وأمّا المؤمنون : فهم في جميع أحوالهم : في حال الرخاء والشدة ، والضراء والسراء - مخلصون للّه صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] . وقوله - عزّ وجل - :
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ :
يحتمل هذا وجوها : قيل : إنما كانوا كذا ؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين :
أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
وإن كان للكافرين نصيب قالوا :
أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ النساء : 141 ] : ذكروا كونهم مع المؤمنين ، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم ، ومنعهم من المؤمنين ؛ فذلك آية الأقرب منهم . ويحتمل : أقرب منهم للإيمان ؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب ، والكفر نفسه كذب ؛ فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب ، وهو الكفر . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنه - :
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
قال : « هم يومئذ يسرون الكفر ، ويظهرون الإيمان ، وسرّ العبد أولى من علانيته ، وفعله أولى من قوله » « 1 » .
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ :
وهو قولهم ، وقيل : وهم منهم أقرب ؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفارا على دينهم . وفي قوله - تعالى - :
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
- يحتمل الذم ، وقيل : كقوله - عزّ وجل - :
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها
[ الأحزاب : 14 ] ؛ فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب ؛ كقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] ، أي : هي لهم - وباللّه التوفيق - وذلك لأنهم كانوا أهل نفاق ، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم ، وما كان من إيمانهم كان بظاهر اللسان ، [ ثم ] « 2 » قد يفارقها في أكثر أوقاتهم ، واللّه أعلم . وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكّين في الأمر ، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان ؛ إذ حقيقته تصديق عن معرفة ، ولم يكن لهم معرفة ، والكفر قد يكون بالتكذيب ؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولا ؛ فلذلك كان الكفر أقرب إليهم ، ويحتمل : أقرب إليهم : أولى بهم ، وهم به أحق أن يعرفوا ؛ بما جعل اللّه لهم من إعلام
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 379 ) ( 8194 ) عن ابن إسحاق ، وذكره الرازي في تفسيره ( 9 / 70 ) . ( 2 ) سقط من ب .