تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
على الأمر ؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة ، وإذا كثروا على ذلك قوله :
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
[ التوبة : 25 ] ولعلهم - أيضا - بما يطمعون أنهم لو أطاعوا اللّه ، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع ، فكان ذلك بعض ما يستبشرون ؛ وعلى ذلك أكثر ما بلى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالهزيمة ، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حبّ الدنيا ، والإعجاب بالكثرة ، ونحو ذلك ، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال اللّه - عزّ وجل - :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينت ، ويكون النصر من عند اللّه ، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب ، قلّت أعوانه أو كثرت ، وذلك لطف من اللّه العزيز العليم ؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو ، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم ؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار ، وشرفت منازلهم ، ولو كان لهم بالإذن ؛ على ما ذكر من قوة جبريل - عليه السلام - في قلب قريات لوط بجناح واحد ، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض ، فضلا عن عدد يسير منهم ، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي اللّه ، واللّه لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 128 إلى 129 ]

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) وقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ . . .
الآية . قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ :
إنما أنت عبد مأمور ؛ فليس لك من الأمر ؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار ، الذي لا شريك له ولا ندّ ؛ كقوله :
يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
[ آل عمران : 154 ] . وقوله :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ . . .
الآية فيه : أنه كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم معنى قولا وفعلا ، حتى ترك قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ،
ولكنا لا نعلم ذلك المعنى ، غير أنه قيل في بعض القصّة : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم شج يوم أحد في وجهه ، وكسرت رباعيته ، فدعا عليهم ؛ فنزل قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
« 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 3 / 99 ) ، ومسلم ( 3 / 1417 ) : كتاب الجهاد : باب غزوة أحد ( 104 - 1791 ) ، والترمذي ( 5 / 105 ) في التفسير : باب سورة آل عمران ( 3002 ) ، وقال : حسن صحيح ، وابن ماجة ( 5 / 495 ، 496 ) كتاب الفتن : باب الصبر على البلاء ( 4027 ) ، والطبري في تفسيره ( 7 / 195 ) ( 7805 ) ، ( 7 / 196 ) ( 7806 ) ( 7807 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 3748 ) من حديث أنس .