تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
يحتمل توفّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر ؛ تكذيبا لمن ظن أنه اللّه ، أو ابنه ، لا يحتمل أن يموت ، وقد ألزمهم هذا أيضا بوجهين ظاهرين - وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره . ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه ، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة - كفاية لمن يعقل الحقائق ، وبلغة لمن تأمّل الأشياء عبرا . أحدهما : بقوله :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
[ المائدة : 75 ] ، وقوله :
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
[ البقرة : 87 ] حتى ينطق به لسان كل منهم ، ومعلوم إحالة ابن بشر إلها أو ولدا لإله ؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه ، وكذلك قوله في المهد :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
[ مريم : 30 ] إلى آخر ما ذكر ، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - عليه السلام « 1 » - الذي هو الأصل ، هو المقدم ، وهو الذي لا يعرف له والدان أحق أو هو ؛ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير ، أو ذلك وصف الأولاد ، واللّه أعلم . والثاني :
يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[ المائدة : 75 ] : فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه ، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية . ثم في ذلك حاجة « 2 » إلى الخلاء ، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته ، وباللّه التوفيق . والثالث : على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه ، ورفعه إلى ما به شرفه ، وتطهيره مما كان يحسّ منهم من الكفر وأنواع الفساد ، وختمه من بين البشر على وجه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم ؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات ، وعلى مخالفيه في قطع العذر . ولا قوة إلا باللّه . وفي الدعاء إلى المباهلة « 3 » دلالة ظهور التعنت والعناد ، وفي تخلفهم عن ذلك دليل
هامش
( 1 ) في ب : صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) في ب : حاجته . ( 3 ) ينظر : الآية ( 61 ) من سورة آل عمران وتفسيرها . والمباهلة : الملاعنة : وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا : لعنة اللّه على الظالم منا . ينظر : النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( 1 / 167 ) . وأخرج البخاري ( 4380 ) عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ؛ فو اللّه ، لئن كان نبيّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا . قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا . فقال : « لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين » فاستشرف له أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « قم يا أبا عبيدة بن الجراح » فلما قام قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هذا أمين هذه الأمة » . وقال الحافظ ابن حجر ( 8 / 429 ) : وفيها [ أي : في تلك القصة ] مشروعية مباهلة المخالف إذا أصرّ بعد ظهور الحجة . وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء . ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة ، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين .