تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
هذا « 1 » ، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية : وأمّا التشبيه : فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ؛ حيث قال :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] ؛ ظنوا أن عيسى لما قال :
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
[ آل عمران : 49 ] أنه رب وإله ؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - أخبر أن ربه
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] ؛ فسموا عيسى إلها بهذا ، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام ؛ فلو لا أنهم عرفوا اللّه - عزّ وجل - وإلّا ما شبهوه به ، تعالى اللّه عن ذلك . وأمّا القدرية : فلما لم يروا للّه في أفعال العباد صنعا ؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة « 2 » ،
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 6 / 468 ) ( 7161 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 307 ) ( 667 ) عن ابن عباس . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 66 ) وعزاه إليهما من طريق العوفي عن ابن عباس . وأخرجه الطبري بنحوه ( 6 / 468 ) ( 7160 ) عن الشعبي ، ورقم ( 7162 ) عن قتادة ، وفي ( 6 / 469 ) ( 7163 ) عن السدي . ( 2 ) وهي معرفة بالجبر والاختيار في الفعل ، والمراد من أفعال العباد : المعنى الحاصل بالمصدر الذي هو متعلق الإيجاد والإيقاع ، وهو على سبيل المثال ما يشاهد من الحركات والسكنات ، وإطلاق المصدر على المعنى الحاصل بالمصدر - وإن كان مجازا - من قبيل إطلاق اللازم وإرادة اللزوم ، إلا إنه كثير الوقوع ، فلا يحتاج إلى قرينة . وتنقسم أفعال العباد إلى اختيارية كحركة البطش ، واضطرارية كحركة الارتعاش ، ومباشرة ومتولدة كحركة المفتاح المتولدة من حركة اليد ، ومنها ما يتعلق بالجوارح ، ومنها ما يتعلق بالقلوب ، وهذا كله فيما يختص بالمستيقظ ؛ لأن أفعال النائم والساهي مختلف فيها على تفصيلات كثيرة ليس المجال مجال ذكرها . وهذه المذاهب التي اختصت بهذه المسألة : ذهبت المعتزلة : إلى أن العبد فاعل ومحدث لأفعاله الاختيارية ؛ إذ أفعال العباد من حركات وسكنات واقعة من جهتهم بإقدار اللّه لهم على هذه الأحداث ، وبهذا يتبين - كما يقول المعتزلة - خطأ من قال بأن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه ؛ لأن قدرة اللّه لا تتعلق بأفعال العباد من حيث الإيجاد والنفي . أما الجبرية : فقالوا بنفي الاستطاعة والقدرة عن الإنسان في جميع أعماله ؛ لأن الأفعال مخلوقة للّه - تعالى - فينا لا تعلق لنا بها أصلا ، لا اكتسابا ولا إحداثا ، وإنما نحن كالظرف لها . ويتضح مذهب الجبرية فيما يقوله جهم بن صفوان إذ يقول : « الإنسان لا يقدر على شيء ، ولا يوصف بالاستطاعة ، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار » . وبهذا يكون مذهب المعتزلة رد فعل لمذهب الجبرية . أما الأشاعرة فلقد ذهبوا إلى أن أفعال العباد واقعة بقدرة اللّه - تعالى - وحدها ، والعبد ليس له أدنى تأثير فيها ، لأنها - أي الأفعال - مخلوقة للّه من حيث الإبداع والإحداث وللعبد فيها كسب . والسبب الذي جعل الأشاعرة يقولون بهذا : أنهم رأوا أن قدرة اللّه عامة ، وتشمل سائر المقدورات ، فما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن . أما السؤال الذي يطرح نفسه في خصوص رأي الأشاعرة - وهم يقولون بأن أفعال العباد واقعة بقدرة اللّه وحدها وللعبد فيها الكسب - هو عن تفسير حدوثها من العبد ؟ وإجابة هذا السؤال هي أن الأشاعرة يرون أن اللّه - سبحانه - قد أجرى عادته بأن يوجد في العبد -
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 389 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم