تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
نورانيا تبصر العينان ، وتسمع الأذنان ، ويكون طيّبا ، فإذا خرج انتنّ الجسد ، ويكون باقيا فإذا زايلته الروح صار فانيا ، ويكون حيّا وبخروجه ميتا ، ويكون عالما فإذا خرج منه الروح صار سفليّا باليا . والاختيار من هذه الأقوال : أنه جسم لطيف يوجد فيه الحياة ! بدليل قوله تعالى في صفة الشّهداء :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ
« 1 » والأرزاق والفرح من صفة الأجسام ، والمراد بهذا أرواحهم ؛ لأن أجسادهم قد بليت في التراب ، وكذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ أرواح الشّهداء تعلّق في شجرة من الجنّة ، وتأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش ] « 2 » وهذا لا يكون إلا في جسم ، ولا يتأتّى ذلك في الأعراض كما زعمت المعتزلة والنجارية « 3 » : أن الروح عرض ، وهو مردود بما ذكرناه . وعن ابن عبّاس : ( أنّ الرّوح إذا خرج مات الجسد ، وصار الرّوح صورة أخرى لا تطيق الكلام ؛ لأنّ الجسد جرم ، والرّوح يصوّت من جوفه ويتكلّم ، فإذا فارق الجسد صار الجسد صفرا « 4 » ، وصار الرّوح صورة أخرى ينظر النّاس سكونه ، ويغسلونه ويدفنونه ولا يستطيع أن يتكلّم ، كما أنّ الرّيح إذا دخل في مكان ضيّق سمعت له دويّا ، فإذا خرج منه لم تسمع له صوتا ، وكذلك المزامير ، فأرواح المؤمنين ينظرون إلى الجنّة ويجدون ريحها ، وأرواح الكفّار يعذبون في قبورهم ) . وهذا الذي ذكرناه كلّه في تفسير الروح عند التحقيق من التكلّف ؛ لأن اللّه سبحانه أبهم علم ذلك ، قال عبد اللّه بن يزيد : ( ما بلغ الإنس والجنّ والملائكة والشّياطين علم الرّوح ، ولقد مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما يدري ما الرّوح ، ولم يخبر اللّه
هامش
( 1 ) آل عمران / 169 - 170 . ( 2 ) أخرجه الطبري في المعجم الكبير : ج 19 ص 62 : الحديث ( 119 - 125 ) عن كعب بن مالك بإسناد صحيح ، وأخرجه أصحاب السنن . ( 3 ) النجارية : فرقة من فرق الجبرية الاثنتي عشرة ، ومن أفكارهم زعمهم ( أن اللّه يعذّب الناس على فعله لا على فعلهم ) . ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 4 ص 163 : تفسير الآية ( 103 ) من سورة آل عمران . ( 4 ) الصّفر : بالكسر : الخالي ، يقال : بيت صفر من المتاع ، ورجل صفر اليدين .