تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وقرأ الحسن والأعمش ( إن يؤتى ) بكسر الألف ، وجه هذه القراءة : أنّ هذا من قول اللّه عزّ وجلّ بلا اعتراض ، وأن يكون كلام اليهود منتهيا عند قوله
( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ )
. ومعنى الآية : قل يا محمّد إنّ الهدى هدى اللّه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمّة محمّد أو يحاجّوكم ؛ يعني : إلّا أن يحاجّوكم أي يجادلوكم اليهود بالباطل فيقولوا نحن أفضل منكم . وقوله تعالى :
( عِنْدَ رَبِّكُمْ )
أي عند فعل ربكم ذلك ، وتكون ( أن ) على هذا القول بمعنى الجحد والنّفي ؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمّة محمّد صلى اللّه عليه وسلم من الدّين والحجّة حتى يجادلوكم عند ربكم . قرأ ابن كثير : ( أأن يؤتى أحد ) بالمدّ « 1 » ، وحينئذ في الكلام اختصار تقديره : ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب تحسدونهم ولا تؤمنون به ، وهذا قول قتادة والربيع ؛ قالا : ( هذا من قول اللّه عزّ وجلّ : قل يا محمّد إنّ الهدى هدى اللّه ؛ لمّا أنزل كتابا مثل كتابكم ونبيّا مثل نبيّكم حسدتموه وكفرتم به ) « 2 » . ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله تعالى :
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ،
فيكون قوله تعالى :
( وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ )
إلى آخر الآية من كلام اللّه عزّ وجلّ ، وذلك أنّ اللّه تعالى قال مثبتا لقلوب المؤمنين لئلّا يشكّوا عند تلبّس اليهود في دينكم ، ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلّا لمن تبع دينكم ، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدّين والفضل ، ولا تصدّقوا أن يحاجّوكم في دينكم عند ربكم ، أو يقدرون عليه ، فإن الهدى هدى اللّه ، وإن عند تلبّس اليهود عليهم لئلّا يزلّوا أو يرتابوا ، يدلّ عليه قول الضحّاك : ( إنّ اليهود قالوا : إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا ) . بيّن اللّه أنّهم هم المدحضون المغلوبون ، وأنّ المؤمنين هم الغالبون . وقال أهل الإشارة في هذه الآية : لا تعاشروا إلّا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم ، فإنّ من لم يوافقكم لا يرافقكم .
هامش
( 1 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 4 ص 112 - 113 ؛ قال القرطبي : « وقال أبو حاتم : ( آن ) معناه ( ألأن ) فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدّة ، كقراءة من قرأ أن كان ذا مال أي ألأن » . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 5733 ) عن قتادة ، والنص ( 5734 ) عن الربيع .