قوله تعالى :
وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ؛
أي النساء التي تعلمون عصيانهنّ لأزواجهن فعظوهنّ ، والنّشوز : الرّفع عن الصّاحب ، مأخوذ من النّشز وهو المكان المرتفع ، المراد من الوعظ والهجر والضّرب في الآية أن يكون ذلك على الترتيب المذكور فيها ؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، إذا أمكن الاستدراك بالأسهل والأخفّ لا يصار إلى الأثقل ، فالأولى أن يبدأ الزوج فيقول لامرأته الناشزة : إتّق اللّه وارجعي إلى فراشي « 1 » ، فأطاعته وإلّا سبّها ، هكذا قال ابن عبّاس رضي الله عنه « 2 » .
والهجر : الكلام الفاحش ، يقال : هجر الرّجل يهجر ، إذا هدأ ، وأهجر الرجل في منطقه بهجر هجارا إذا تكلّم بقبيح . وقال الحسن وقتادة : ( قوله :
( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ )
من الهجر ؛ وهو أن لا يقرب فراشها ولا ينام معها ؛ لأنّ اللّه تعالى قرنه بقوله تعالى
( فِي الْمَضاجِعِ )
« 3 » . إذا لم ينفعها الوعظ هجرها زوجها في المضجع ، فإن كانت تحبّ زوجها شقّ عليها الهجران ، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك ، فكان دليلا على النّشوز من قبلها ؛ فيضربها الزوج ضربا غير مبرّح ولا شائن ، كما يؤدّب الرجل ولده ، ويكون ذلك موكولا إلى رأيه واجتهاده على ما يرى من المصلحة ، ولهذا قيل :
إن هذا الضرب مقيّد بشرط السّلامة ، فالأولى أن يضربها بالنعل واللّطم ضربتين أو ثلاثا على حسب ما يراه .
قوله تعالى :
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ؛
أي فيما تلتمسون منهنّ ؛
فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ؛
أي لا تطلبوا عليهنّ عللا ولا تكلفوهنّ الحبّ لكم ، فإنّهن لا يملكن ذلك ،
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً
( 34 ) ؛ أي علا فوق كلّ شيء كبيرا فلا شيء أكبر منه ، أراد بالعليّ : العلوّ في القهر والقدر لا علوّ المكان ، وأراد
هامش
( 1 ) عند الطبري في جامع البيان : النص ( 7403 ) : ( فراشك ) .
( 2 ) في جامع البيان : النص ( 7416 ) أسند الطبري عن ابن عباس ؛ قال : « يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها ، وذلك عليها شديد » . وما أثبته الإمام الطبراني هو عند الطبري في النص ( 7404 ) .
( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 7428 ) .