فإن قيل : ما فائدة شرط الإحصان في قوله تعالى :
( فَإِذا أُحْصِنَّ )
والأمة تحدّ حدّ الزنا سواء كانت محصنة بالإسلام والزوج أم لا ؟ قيل : فائدة ذكر إحصان الإماء في الآية : أنّ حدّ الحرّة يختلف بالإحصان وعدم الإحصان ، فكان يجوز أن يتوهّم متوهّم أنّ حدّ الأمة يختلف أيضا بالإحصان بالإسلام والزوج ، كما يختلف حدّ الحرّة بذلك ؛ فأوجب اللّه تعالى ذلك الحدّ بالجلد في الحالة التي يوجب فيها الرجم على الحرّة ؛ ليعلم أنّ الإماء لا مدخل لهن في الرجم .
قوله تعالى :
( مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ )
الفتاة في اللغة : الشّابّة ؛ إلّا أنّ الأمة تسمى فتاة ؛ عجوزا كانت أم شابّة ؛ لأنّها لا توقّر توقّر الحرّة الكبيرة . والأخدان : جمع الخدن ؛ والخدين : الصّديق . والعنت في اللغة : المشقّة ، ويسمّى الزنا به لأن فاعله يلقى الإثم العظيم في الآخرة ، ويقام عليه الحدّ في الدّنيا .
وقد تعلّق أصحاب الشّافعيّ بظاهر هذه الآية ؛ فقالوا : إذا كان عند الرجل من المال ما يمكّنه أن يتزوج به الحرّة ؛ لا يجوز له أن يتزوّج أكثر من أمة واحدة . وقالوا :
ويجوز للعبد أن يتزوّج الأمة . قالوا : لا يجوز أن يتزوج الأمة اليهوديّة ولا النصرانيّة ، ولا يجوز أن يتزوج أكثر من أمة واحدة . قالوا : ويجوز للعبد أن يتزوج أمة على الحرّة ؛ لأن هذه الآية خطاب للأحرار ، قال اللّه تعالى :
( فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) .
وليست هذه الآية عند أصحابنا على طريقة الشّرط ، ولكن معناها : من لم يبسط اللّه له في الرّزق فليرض بما قسم اللّه له ، وليعقد أدون نكاحين إن لم يقدر على أعلاهما ، وفي قوله
( مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ )
بيان أنّ المؤمنة خير من الحرّة الكتابيّة ، ولو كان جواز نكاح الأمة للحرّ مقيّدا لحال الضرورة وخوف العنت لكان الحرّ إذا تزوج حرّة على الأمة يبطل نكاح الأمة ، ولا خلاف إن كان نكاح الحرّة إذا طرأ على نكاح الأمة لم يبطل النكاح . وعن أبي يوسف أنه تأوّل هذه الآية : على أنّ وجود الطّول هو كون الحرّة في نكاحه على ما ورد به الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
[ لا تنكح الأمة على الحرّة ، وتنكح الحرّة على الأمة ] « 1 » وهذا تأويل صحيح ؛ لأن
هامش
( 1 ) عن جابر بن عبد اللّه ؛ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى : كتاب النكاح : باب لا تنكح أمة على حرة : الأثر ( 14330 ) ؛ وقال : هذا إسناد صحيح .