تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - فمن وراءه « 1 » مع أنه في النظر على هذا أصح ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرما من راكبها ، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب فراميه بها أيسر جرما إذا نزع عما قال وأكذب نفسه ، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا قبل اللّه عز وجل التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى ، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ، من ذلك قوله عز وجل :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
ثم قال بعد ذلك :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
« 2 » فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها وأن التوبة لهؤلاء جميعا بمنزلة واحدة ، وكذلك قوله عز وجل في الطهور حين قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
ثم قال :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
« 3 » فصار التيمم لاحقا بمن وجب عليه الاغتسال كما لحق من وجب عليه الوضوء في سنة النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - حين أمر عمارا « 4 » وأبا ذر « 5 » بذلك ، وعلى هذا المعنى تأول من رأى شهادة القاذف جائزة لأنه كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضا ، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به .
هامش
( 1 ) في المخطوط بلا همز والصواب إثباتها . ( 2 ) سورة المائدة آية 34 . ( 3 ) سورة النساء آية 43 . ( 4 ) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي ، أبو اليقظان ، مولي بني مخزوم ، صحابي جليل مشهور ، من السابقين الأولين ، بدري ، قتل مع علي بصفّين سنة سبع وثلاثين . ( التقريب 2 / 48 ) . ( 5 ) أبو ذر الغفاري : الصحابي المشهور ، اسمه جندب بن جنادة على الأصح ، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته ، فلم يشهد بدرا ، ومناقبه كثيرة جدا ، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان . ( التقريب 2 / 420 ) .