التفصيل وتمييز ما هو الحقّ عن غيره ، ثمّ أورد على نفسه بعدم الاحتياج إلى علم الرجال على ما ذكرت . « 1 »
وأجاب عنه بأنّ ما قلته إنّما هو في غير المتعارضات ، وأمّا المتعارضات فلم يحصل لنا العلم بالعمل بها إلّا مع الرجوع إلى الترجيح ، ولم يحصل لنا العلم بجواز العمل بأحد المتعارضين من دون مراجعة إلى الترجيح ، ولا ريب أنّ التفتيش عن حال الرواة أحد أسباب الترجيح .
والجواب أنّ دعوى حصول القطع بجواز العمل بكلّ ما فيها ، وإن كان راويها من الكذّابين المشهورين الذين ورد لعنهم ولزوم الاجتناب عنهم عن الأئمّة ، أو من الضعفاء والمجاهيل ، مردودة على مدّعيها . وما استشهد به من عمل السيّد والشيخ وابن إدريس وغيرهم بالأخبار الضحيفة ، فلا يدلّ على مدّعاه ؛ إذ لعلّهم عملوا بها لاحتفافها بالقرائن الموجبة للاعتماد ، ولذا نعمل نحن بالأخبار الضعاف المنجبرة بالشهرة .
والثاني : أنّ بعض الأخباريّين لمّا رأى شناعة دعوى قطعيّة الأخبار وجّه قولهم بقطعيّة الأخبار ودعوى حصول العلم بصحّة الأصل وصدوره عن المعصوم عليه السّلام وبصدق مثل الصدوق فيما أسند إلى الأصل أنّ المراد هو ما يطمئنّ به النفس وتقتضي العادة بالصدق ، وهذا هو العلم العادي ، وهو يحصل بخبر الثقة الضابط المحترز عن الكذب ، بل وغير الثقة إذا علم من حاله أنّه لا يكذب أو دلّت القرائن على صدقه ، وهذا هو الذي اعتبره الشارع ، إلى أن قال :
والحاصل أنّ مثل هذا الاطمئنان يجوز العمل به ، فإن شئت فسمّه علما ، وإن شئت فسمّه ظنّا ، والنزاع بين الأخباريّين والمجتهدين لفظي . « 2 »
قلت : يرد عليه إيراد كثير ذكرته في الرسالة المحرّرة في مسألة الظنّ ، ونذكر هنا اثنين :
أحدهما : أنّ معنى العلم العادي ليس ما ذكر ؛ إذ العلم هو اليقين ، ولا فرق بين العلم
هامش
( 1 ) . انظر : الوافية ، ص 278 - 283 .
( 2 ) . لم نقف على قائله .