فقال لهم : « يا أصحابنا ! اعلموا أنّ اللَّه عز وجل سائلي عمَّا أقول لكم وما أعتقده من المذهب » ، حتّى حَلف بعتق جواريه ومماليكه وحبس دوابِّه أنّه لا يعتقد إلّاولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام والسّادات من الأئمّة ، وعدَّهم واحداً واحداً . . وساق الحديث .
فانبسط إليه أصحابنا ، وسألهم وسألوه . .
ثمّ قال لهم : رجعنا يوم الجمعة من الصّلاة من المسجد الجامع مع عمّي داوود ؛ فلمّا كان قِبَل منازلنا وقِبَل منزِلِه - وقد خلا الطريق - قال لنا : « أينما كُنتم قبل أن تغرب الشمس فصيروا إليَّ ، ولا يكونن أحدٌ منكم على حالٍ فيتخلّف » ، وكان مطاعاً ؛ لأنّه كان جمرة بني هاشم ، فصرنا إليه آخر النهار ، وهو جالس ينتظرنا .
فقال : صيحوا بفلانٍ وفلان - من الفَعَلَة - فجاءه رجلان معهما آلتهما ، والتفت إلينا فقال : اجتمعوا كلّكم فاركبوا في وقتكم هذا ، وخذوا معكم الجمل - يعني غلاماً كان له أسود يُعرف بالجمل ، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها من شدّة بأسه - وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون : « إنّه قبر عليٍّ » ، حتّى تنبشوه ، وتجيئوني بأقصى ما فيه .
فمضينا إلى الموضع فقلنا : « دونكم وما أمر به » ؛ فحفر الحفّارون ، وهم يقولون : « لا حول ولا قوّة إلّاباللَّه » في أنفسهم ، ونحن في ناحيةٍ حتّى نزلوا خمسة أذرع ، فلمّا بلغوا إلى الصلابة قال الحفّارون : « قد بلغنا إلى موضعٍ صلبٍ ، وليس نقوى بنقره » ، فأنزلوا الحبشي فأخذ المنقار ، فضرب ضربةً سمعنا لها طنيناً شديداً في البرِّ ، ثمَّ ضرب ثانيةً فسمعنا طنيناً أشدّ من ذلك ، ثمَّ ضرب الثالثة فسمعنا أشدّ ممّا تقدّم ، ثمَّ صاح الغلام صيحةً ، فقمنا وأشرفنا عليه ، وقلنا للّذين كانوا معه : « سلوه ما باله ؟ » فلم يجبهم وهو يستغيث ، فشدُّوه وأخرجوه بالحبل ، فإذا على يده - من أطراف أصابعه إلى مرافقه - دمٌ ، وهو يستغيثُ ، لا يكلّمنا ولا يحير جواباً ، فحملناه على البغل ، ورجعنا طائرين ، ولم يزل لحم الغلام ينتشر من عضده وجنبيه « 1 » وسائر شقِّه الأيمن ؛ حتّى انتهينا إلى عمّي .
فقال : أيش وراءكم ؟
هامش
( 1 ) . في فرحة الغري : جسمه .